أسامة أبو ارشيد
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

الشماتة انتقاماً

أسامة أبو ارشيد
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

ليس مفاجئاً ذلك الجدل الحادّ على المستوى الشعبي، عربياً، الذي ألهب، في الأيام القليلة الماضية، مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية الموقف من مقتل الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، ووزير خارجيته، حسين أمير عبد اللهيان، ومسؤولين إيرانيين آخرين ومرافقيهم. وكان هؤلاء قد قضوا في حادث تحطّم المروحية التي كانت تقلّهم، الأحد الماضي، فوق محافظة أذربيجان الشرقية الإيرانية، في أثناء عودتهم من مراسم افتتاح سدّ مشترك على الحدود مع جمهورية أذربيجان. تباينت المواقف وتمايزت بشكل جليّ، بين شامت بإيران على خلفية سياساتها العدوانية في بعض الدول العربية، ومنهم من عدَّ ذلك عدلاً إلهياً، ومتعاطف مع إيران، على خلفية موقفها الداعم للمقاومة الفلسطينية، معتبرين أنّها تدفع ثمن مواقفها المناهضة لسياسات إسرائيل والولايات المتّحدة في المنطقة. وفي خضمّ مثل هذا الجدل الحدّي، تضيع القضية الأساس المُتعلّقة بمكانتنا ودورنا المُستقلّ عَرَبَاً، إذ إنّنا، اليوم، نبدو كمن لا يملك تعريفاً للذات إلا عبر المغايرة والتضادّ في مقابل “الآخر”، سواء إيران أم سواها. الأدهى أنّ كثيرين بيننا يبدون كمن فقد الثقة بقدرتنا، عرباً، على أن نصوغ مشروعاً ذاتياً مُنطلقاً من مصالحنا القومية، وبالتالي، لم يعد أمامنا إلا الشماتة سلاحاً، أو الركون إلى مقولاتٍ من مثل “اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”.

ليس مثل هذا الجدل بشأن الموقف من بعض القضايا، التي تمسّ إيران جديداً. مثلاً، حدث ذلك عندما اغتالت الولايات المتّحدة قائد فيلق القدس الإيراني، اللواء قاسم سليماني، في بغداد عام 2020. حينها، نعاه عربٌ كثيرون وتياراتهم وقواهم، وتحديداً القوى المحسوبة على ما يُسمّى “محور الممانعة”، التي تُعَدُّ بعض فصائل المقاومة الفلسطينية بعض أضلاعه الرئيسة، وأسبغوا عليه وصف “الشهيد” و”شهيد القدس”. في المقابل، لم يُخفِ عربٌ كثيرون، خصوصاً في سورية والعراق واليمن، المُبْتَلَوْنَ بالتدخّلات الإيرانية الدموية في بلادهم، شماتتهم بإيران وتشفّيهم بسليماني، بل، والتعبير عن فرحهم باغتيال أميركا له. وقع الأمر نفسه في شهر إبريل/ نيسان الماضي، عندما شنَّت إيران هجوماً انتقامياً على إسرائيل، على خلفية الغارة الجوية الإسرائيلية على القنصلية الإيرانية في دمشق، مطلع الشهر ذاته. كما العادة، تفاوتت المواقف الشعبية والسياسية غير الرسمية العربية، بين مُرحّب رأى في ذلك تعديلاً إيرانياً على موازين القوى مع إسرائيل وآخرين عَدّوا الأمر “مسرحية” هزلية.

في الحوادث الثلاثة السابقة، كما في غيرها، كان بأس العرب الشديد بينيّاً، ولم تنل إيران منه سوى المديح أو الذم. هذه هي الحقيقة المُرَّة. مضى على اغتيال سليماني أكثر من أربع سنوات، وما زالت إيران تسيطر على العواصم العربية الأربع: بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء. لا التقريض الذي أسبغه بعضهم عليه نجح في تخفيض شدّة توحّش السياسة الإيرانية وجرائمها في حقّ شعوب عربية، ولا اللعنات التي طاردته أضعفت سياسات إيران الإقليمية وضعضعتها. ذات الأمر ينسحب على الهجوم الإيراني الانتقامي ضدّ إسرائيل. لم تفعل إيران ذلك دفاعاً عن الفلسطينيين، بل لأنّها اضطرّت إليه، وكانت عمليتها محسوبة ومضبوطة بدقّة، وسبقتها مقدّمات علنية، كإشارات بقرب وقوعها، بحيث لا تقود إلى حربٍ إقليمية، قد تدخلها الولايات المتّحدة إلى جانب إسرائيل، وفي الوقت ذاته، هي قطعاً لم تكن “مسرحية” متّفقاً عليها معهما. حقّقت إيران بعض ما أرادت من ناحية تثبيت خطوط “الردع المتبادل” التي تميل إلى صالح إسرائيل، ولم تلجم محدوديّةُ الهجومِ نفوذَ إيران في المنطقة، ولم تكبحْه. ببساطة، لا إسرائيل، ولا حتّى الولايات المتّحدة، في وارد خوض حروب العرب نيابة عنهم، ولا إيران في وارد الانجرار إلى معركة مُدمّرة من أجل عيوننا. كلا الطرفين، الأميركي والإسرائيلي، من ناحية، والإيراني من ناحية أخرى، يقاربنا ساحةً للصراع وأدواتٍ له، لا أكثر ولا أقلّ.

بناءً على ذلك، ما نجنيه، للأسف، مزيد من التفسّخ العربي الشعبي، وليس الرسمي فحسب، فهذا الأخير أصبح تحصيل حاصل، وقاعدة عامة تكاد تتحوّل قدراً إن لم نتدارك أنفسنا. ومن ثمَّ، فإنّك تصاب بالكمد وأنت تتابع تلك السجالات والشتائم المتبادلة بين نشطاء وسياسيين، بل، وحتّى قادة رأي عرب، على أسس إقليمية شوفينية ضيّقة وعفنة. لا يدري هؤلاء أنّ تنابزهم بحرمة الدماء العربية ومزاعم تفاضلها إنّما يقود إلى نزع الحرمة والقداسة عنها كلّها، من دون أن يمسَّ ذلك بقدرة إسرائيل أو إيران على سفكها. ثالثة الأثافي، أنّ نسبة ما يسفك من دمائنا بأيدينا يساوي، إن لم يفق، ما يسفكه الآخرون. ومن دون أن يكون هناك مشروع جَمعِيٌّ عربيٌّ، فإنّنا سنبقى حِمَىً مستباحاً لكلّ طامعٍ مُعتدٍ، وسيكون أقصى ما نستطيع هو إيهام أنفسنا بأنّنا ننتقم من خصومنا وأعدائنا عبر التشفّي بمصائبهم التي وقعت من دون إرادة منّا. هذا لا يعني أنّي أنقض حقّ الشامت المظلوم، ولكن هذا شعور موهوم بالعدالة، وليس تحقيقاً فعلياً لها. ترى، هل ننجح في نزع فتيل التوتّر الداخلي بيننا، ويعذُر بعضنا بعضاً بناءً على الظروف والتعقيدات التي يواجهها كلّ طرف، حتّى ينجز “حلم” المشروع العربيِّ الجَمعِيّ، الذي لا مستقبل لنا من دونه نحن العرب؟ أتمنّى ذلك، ولكنّي أشكّ في أنّنا ناضجون حالياً بما فيه الكفاية.

(العربي الجديد)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts