امرأة من الإيغور تروي كيف نجت من معسكر صيني: أرواحنا ماتت

روت امرأة من الإيغور ناجية من معسكرات صينية تمارس الانتهاكات بحق الأقلية المسلمة في البلاد، تفاصيل مروعة لما عاشته سابقا لسنوات طويلة في معسكر لـ”إعادة التعليم”، كما تسميه السلطات.

وقالت غلبهار هايتيواجي، في مقالها الذي كتبته في صحيفة “الغارديان” البريطانية: “لقد حكموا عليّ بسبع سنوات من إعادة التأهيل. لقد عذّبوا جسدي، ودفعوا عقلي إلى حافة الجنون”.

وكتبت مقالها تحت عنوان: “أرواحنا ماتت”: كيف نجوت من معسكر “إعادة التعليم” صيني للأويغور”، موضحة تفاصيل قصتها، وما حصل معها من انتهاكات.

وتاليا النص الكامل للمقال

بعد 10 سنوات من العيش في فرنسا، عدت إلى الصين لتوقيع بعض الأوراق، ووقع حبسي. على مدار السنتين التاليتين، تعرضت بشكل منهجي للتجريد من الإنسانية والإذلال وغسيل الدماغ.

قال الرجل على الهاتف إنه يعمل في شركة النفط، “في المحاسبة، في الحقيقة”. كان صوته غير مألوف بالنسبة لي. في البداية، لم أستطع فهم سبب اتصاله. كان ذلك في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 ، وكنت في إجازة غير مدفوعة الأجر من الشركة منذ أن غادرت الصين وانتقلت إلى فرنسا قبل 10 سنوات. كان هناك تشويش على الخط، وقد واجهت صعوبة في سماعه.

قال الرجل: “يجب أن تعودي إلى كاراماي لتوقعي وثائق تتعلق بتقاعدك المقبل، سيدة هايتيواجي”. كانت كاراماي هي المدينة الواقعة في مقاطعة سنجان بغرب الصين، حيث عملت في شركة النفط لأكثر من 20 سنة. فقلت: “في هذه الحالة، أود أن أمنح توكيلا رسميا. لي صديق في كاراماي يعتني بشؤوني الإدارية. لماذا يجب أن أعود بسبب بعض الأوراق؟ لماذا أقطع كل هذا الطريق لمثل هذا الأمر التافه؟ لماذا الآن؟”.

لم يكن لدى الرجل إجابات لي. لقد قال ببساطة إنه سيتصل بي في غضون يومين، بعد النظر في إمكانية السماح لصديقي بالتصرف نيابة عني. في الواقع، لقد غادر زوجي كريم سنجان في سنة 2002 بحثا عن عمل. لقد حاول أولا في كازاخستان، لكنه عاد بخيبة أمل بعد سنة. ثم بحث في النرويج ثم فرنسا، حيث تقدم بطلب اللجوء. وبمجرد أن استقر هناك، انضممنا إليه أنا وفتاتينا.

كان كريم يعرف دائما أنه سيغادر سنجان. لقد ترسخت لديه الفكرة حتى قبل أن توظفنا شركة النفط. لقد التقينا ببعضنا عندما كنا طلابا في أورومتشي، أكبر مدينة في مقاطعة سنجان، وبدأنا في البحث عن عمل كخريجين جديدين. كان هذا في سنة 1988. وفي إعلانات الوظائف في الصحف، غالبا ما كانت هناك عبارة صغيرة بحروف صغيرة مفادها “لا للأويغور”. هذا لم يغادر باله أبدان وبينما حاولت التغاضي عن أدلة التمييز التي تتبعنا في كل مكان، إلا أن الأمر أصبح هاجسا مع كريم.

بعد التخرج، عُرضت علينا وظائف كمهندسين في شركة النفط في كاراماي. كنا محظوظين. ولكن بعد ذلك، وقعت حادثة الظرف الأحمر. في السنة القمرية الجديدة، عندما وزع المدير المكافآت السنوية، كانت المظاريف الحمراء الممنوحة لعمال الأويغور تحتوي على مبالغ أقل من تلك الممنوحة لزملائنا الذين ينتمون إلى المجموعة الإثنية المهيمنة في الصين، الهان. 



بعد فترة وجيزة، وقع نقل جميع الأويغور من المكتب المركزي إلى ضواحي المدينة. اعترضت مجموعة صغيرة على القرار ولكنني لم أجرؤ على ذلك. وبعد بضعة أشهر، عندما توفر منصب رفيع، تقدم كريم له. كان لديه المؤهلات الصحيحة والأقدمية ولم يكن هناك سبب يمنعه من الحصول على المنصب، لكنه كان من نصيب موظف ينتمي إلى جماعة الهان لم يكن لديه حتى شهادة في الهندسة. وذات ليلة في سنة 2000، عاد كريم إلى المنزل وأعلن أنه استقال، قائلا: “لقد اكتفيت”.

ما كان زوجي يختبره كان مألوفا جدا. منذ سنة 1955، عندما ضمت الصين الشيوعية سنجان باعتبارها “منطقة حكم ذاتي”، كان يُنظر إلينا نحن الأويغور على أننا عبء على المملكة. سنجان هي ممر استراتيجي وقيمة للغاية بالنسبة للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، والمجازفة بفقدان السيطرة عليها أمر غير مطروح. لقد استثمر الحزب الكثير في “طريق الحرير الجديد”، مشروع البنية التحتية المصمم لربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى، والتي تعتبر منطقتنا محورا مهما فيها. تعتبر سنجان ضرورية لخطة الرئيس شي جين بينغ العظيمة – أي سنجان المسالمة والمنفتحة للأعمال التجارية والتي وقع تطهيرها من ميولها الانفصالية وتوتراتها العرقية. باختصار، سنجان بدون الأويغور.

هربت أنا وابنتاي إلى فرنسا للانضمام إلى زوجي في أيار/ مايو 2006، قبل دخول سنجان فترة غير مسبوقة من القمع. مُنحت ابنتاي البالغتان من العمر آنذاك 13 سنة وثماني سنوات، وضع لاجئتين مثل والدهما. أثناء طلب اللجوء، كان زوجي قد قطع تماما مع الماضي، كما أن حصوله على جواز سفر فرنسي في الواقع جرده من جنسيته الصينية. 

أما بالنسبة لي، فإن احتمال تسليم جواز سفري ينطوي على نتائج مروعة: لن أتمكن أبدا من العودة إلى سنجان. كيف يمكنني أن أودع جذوري وأحبائي الذين تركتهم ورائي – والداي وإخوتي وأخواتي وأطفالهم؟ تخيلت والدتي وهي تتقدم في العمر وتموت وحدها في قريتها في الجبال الشمالية. إن التخلي عن جنسيتي الصينية يعني التخلي عن والدتي أيضا. لم أستطع حمل نفسي على القيام بذلك. لذا بدلا من ذلك، تقدمت بطلب للحصول على تصريح إقامة قابل للتجديد كل 10 سنوات.

واتصل الرجل بعد يومين قائلا: “لن يكون من الممكن منح التوكيل، سيدة هايتيواجي. يجب أن تأتي إلى كاراماي شخصيا”. لقد وافقت على العودة. على كل حال، كانت المسألة مجرد وثائق قليلة. وقلت: “حسنا. سأكون هناك في أقرب وقت ممكن “.

عندما أغلقت الخط، أحسست بقشعريرة تجتاح جسدي. كنت أخشى العودة إلى سنجان. كان كريم يبذل قصارى جهده ليطمئنني منذ يومين، لكن كان لدي شعور سيء حيال ذلك. في هذا الوقت من السنة، كانت مدينة كراماي تعاني من شتاء قاس. كانت رياح جليدية تهب في الطرقات وبين المتاجر والمنازل والمباني السكنية. كان هناك عدد قليل من الناس متلاصقين ومستندين على الجدران، ولكن بشكل عام لم يكن هناك أحد آخر. إلا أن أكثر ما كنت أخشاه هو الإجراءات الأكثر صرامة التي تنظم سنجان، حيث يمكن لأي شخص تطأ قدمه خارج منزله أن يقع إلقاء القبض عليه دون سبب على الإطلاق.

لم يكن ذلك جديدا، لكن الاستبداد أصبح أكثر وضوحا منذ اضطرابات أورومتشي في سنة 2009، وهي موجات من العنف اندلعت بين سكان المدينة من الأويغور والهان، مما أسفر عن مقتل 197 شخصا. كان هذا الحدث بمثابة نقطة تحول في التاريخ الحديث للمنطقة. لاحقا، ألقى الحزب الشيوعي الصيني باللوم على المجموعة العرقية بأكملها في هذه الأعمال الفظيعة، مبررا سياساته القمعية بالادعاء بأن أسر الأويغور كانت بؤرة للإسلام الراديكالي والانفصالية.

جرت المرحلة التالية في مركز شرطة كونلون، على بعد 10 دقائق بالسيارة من مقر الشركة الرئيسي. وفي الطريق، أعددت إجاباتي على الأسئلة التي من المحتمل أن تُطرح علي وحاولت أن أبقى قوية

شهد صيف 2016 دخول عنصر جديد مهم في الصراع الطويل بين مجموعتنا الإثنية والحزب الشيوعي. لقد وقع تعيين تشين تشوانغو، الذي جعل فرض إجراءات مراقبة صارمة في التبت من شيمته، رئيسا لمقاطعة سنجان. ومع تقلده المنصب، تصاعد قمع الأويغور بشكل كبير. لقد وقع إرسال الآلاف إلى “المدارس” التي بنيت بين عشية وضحاها تقريبا على حافة المستوطنات الصحراوية. كانت تعرف باسم معسكرات “التحول من خلال التعليم”. في الواقع، أُرسل المعتقلون إلى هناك لغسل أدمغتهم ولما هو أسوأ من ذلك.

لم أرغب في العودة، لكن مع ذلك قررت أن كريم كان على حق: لم يكن هناك سبب يدعو للقلق. ستستغرق الرحلة بضعة أسابيع فقط. وطمأنني كريم قائلا: “سوف يخضعونك بالتأكيد للاستجواب، لكن لا داعي للذعر. هذا طبيعي تماما”. وبعد أيام قليلة من وصولي إلى الصين، في صباح يوم 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ذهبت إلى مكتب شركة النفط في كاراماي للتوقيع على المستندات المزيفة المتعلقة بتقاعدي القادم. وكان المحاسب، وهو رجل من جماعة الهان ذي صوت رديء، وسكرتيرته جالسين خلف شاشة حاسوب في مكتب جدرانه متهالكة.

جرت المرحلة التالية في مركز شرطة كونلون، على بعد 10 دقائق بالسيارة من مقر الشركة الرئيسي. وفي الطريق، أعددت إجاباتي على الأسئلة التي من المحتمل أن تُطرح علي وحاولت أن أبقى قوية. بعد أن تركت متعلقاتي في مكتب الاستقبال، وقع نقلي إلى غرفة ضيقة لا يوجد فيها أحد: غرفة الاستجواب.

لم يسبق أن دخلت غرفة استجواب من قبل. كانت هناك طاولة تفصل بين الكرسي الخاص بي وكرسيي الشرطيين. وكان أبرز ما يميز المشهد همهمة المدفأة الهادئة والسبورة البيضاء التي لم يقع تنظيفها بشكل جيد والإضاءة الباهتة. ناقشنا أسباب مغادرتي إلى فرنسا ووظائفي في مخبز وكافتيريا في الحي التجاري في باريس، لا ديفانس.

بعد ذلك، وضع أحد الضباط صورة أمام وجهي، الأمر الذي جعل دمي يغلي. لقد كان وجها أعرفه مثل وجهي – ذلك الخدين الممتلئين وذاك الأنف النحيل. لقد كانت ابنتي غولهومار. كانت تقف أمام ساحة تروكاديرو في باريس في معطفها الأسود الذي كنت قد أعطيتها لها. وظهرت ضاحكة الوجه في الصورة، وفي يدها علم صغير لتركستان الشرقية، الذي حظرته الحكومة الصينية. بالنسبة إلى الأويغور، يرمز هذا العلم إلى حركة الاستقلال في المنطقة، وظهر في إحدى المظاهرات التي نظمها الفرع الفرنسي من المؤتمر الأويغوري العالمي، الذي يمثل الأويغور في المنفى ويندد بالقمع الذي تمارسه الصين في سنجان.

سواء كنت مسيّسا أم لا، تعتبر مثل هذه التجمعات في فرنسا فرصة لكي يلتقي أفراد المجتمع ببعضهم البعض، مثل مناسبات أعياد الميلاد والعيد وعيد الربيع أو النوروز. يمكنك الذهاب للاحتجاج ضد القمع في سنجان، ولكن أيضا للالتقاء بالأصدقاء ومعرفة أخبار مجتمع الأفراد المنفيين، مثلما فعلت غولهومار. في ذلك الوقت، كان كريم مواكبا وفيا لهذه التجمعات وحضرت الفتيات مرة أو مرتين هذه الأحداث تقريبا، لكنني لم أشارك فيها أبدا. فأنا لم أعد أهتم بالقضايا السياسية منذ اللحظة التي غادرت فيها سنجان.

فجأة، ضرب الضابط بقبضته على الطاولة قائلا:

“أنت تعرفينها، أليس كذلك؟”

“نعم. إنها ابنتي”

“ابنتك إرهابية!”

“لا. لا أعرف سبب وجودها في تلك المظاهرة”.

وفضلت أكرر قولي، “لا أعرف، لا أعرف ما الذي كانت تفعله هناك، لم تكن تفعل أي شيء خاطئ، أقسم لك! ابنتي ليست إرهابية! ولا زوجي!”

لا أستطيع تذكر بقية التحقيق، ولا أعرف كم دام من الوقت. كل ما بقي في ذهني تلك الصورة وأسئلتهم العدوانية وردودي غير المجدية. أذكر أنني قلت بانفعال في اللحظة التي انتهى فيها التحقيق: “هل يمكنني الذهاب الآن؟ هل انتهينا من هذا التحقيق؟”. ثم قال أحدهم: “لا، غلبهار هايتيواجي، لم ننتهي”.

‘يمين! يسار! استرح!”. كنا 40 شخصا في الغرفة، جميعنا من النساء، وكنا نرتدي بيجامات زرقاء. كانت قاعة الدراسة المروعة مستطيلة الشكل. كان هناك باب معدني كبير به فتحات صغيرة يتسلل منها القليل من الضوء يحجبنا عن العالم الخارجي. كنا نقضي 11 ساعة من اليوم في هذه الغرفة وكان جنديان من الهان يراقبان الوقت بلا كلل، بينما كنا نتحرك جيئة وذهابا في الغرفة. يُدعى هذا النشاط “التربية البدنية”، ولكنه كان أشبه بتدريب عسكري.

كانت أجسادنا المنهكة تتحرك عبر ذلك الفضاء في انسجام تام، ذهابا وإيابا، جنبا إلى جنب، ومن زاوية إلى أخرى. عندما صرخ الجندي “استريحوا!” بلغة الماندرين، توقف فوج السجينات على الفور، ثم أمرنا بأن نبقى ساكنات. يمكن أن يستمر هذا لمدة نصف ساعة، أو في كثير من الأحيان ساعة كاملة، أو حتى أكثر. 

في الأثناء، أحسسنا بألم في أرجلنا كوخز الدبابيس والإبر. كافحت أجسادنا، التي كانت لا تزال دافئة ومرهقة، حتى لا تتأثر بالرطوبة. يمكننا أن نستنشق رائحة أنفاسنا الكريهة، وكنا نلهث مثل الماشية. في بعض الأحيان، قد يغمى على واحدة منا. فإذا لم تعد إلى وعيها، يسحبها الحارس من قدميها ويصفعها لكي تستيقظ. أما إذا فقدت وعيها مرة أخرى، فسوف يسحبها خارج الغرفة، ولن نراها مرة أخرى على الإطلاق. صُدمت بهذه الممارسات في البداية، لكنني اعتدت عليها الآن. يمكنك التعود على أي شيء، حتى الرعب.

كان ذلك منذ حزيران/ يونيو 2017، وقد مرت ثلاثة أيام على وجودي هناك. وبعد قرابة خمسة أشهر من سجني في زنزانات شرطة كاراماي، بين التحقيقات وإساءة المعاملة بشكل عشوائي – في إحدى المراحل، وقع تقييدي بسريري لمدة 20 يوما كعقوبة، رغم أنني لم أعرف أبدا سبب ذلك – قيل لي إنني سأذهب إلى “المدرسة”. لم أسمع قط بهذه المدارس الغامضة، أو الدروس التي تقدمها. قيل لي إن الحكومة شيدتها “لتصليح” الأويغور. من جهة أخرى، قالت النساء اللواتي شاركن زنزانتي إنها ستكون مدرسة عادية، مع معلمين من الهان. كذلك، قلن إن الطلاب سيتمكنون من العودة إلى منازلهم بكل حرية إذا نجحوا في اجتياز الاختبارات.

كانت هذه “المدرسة” تقع في منطقة بيجيانتان في ضواحي كاراماي. هذا كل ما تمكنت من معرفته عن المكان عند مغادرة زنزانات الشرطة، وذلك بعد أن رأيت لافتة عالقة في حفرة جافة بين بعض الأكياس البلاستيكية الفارغة. على ما يبدو، كان من المقرر أن يستمر التدريب لمدة أسبوعين. وستنطلق الدروس النظرية بعد ذلك. لم أكن أعرف كيف سأصمد طيلة هذه الفترة. كيف تمكنت من الصمود إلى حد الآن؟ كانت بيجيانتان منطقة خالية من البشر ولا يوجد فيها سوى ثلاثة مبان، كل منها بحجم مطار صغير. خلف سياج الأسلاك الشائكة، لم يكن هناك شيء سوى الصحراء الممتدة.

في يومي الأول، قادتني حارسات إلى مبيت مليء بالأسِرة، وهي مجرد ألواح خشبية مرقمة. وجدت امرأة أخرى هناك كُتب على سريها: نادرة، سرير رقم 8. وكان سريري رقم 9. أخذتني نادرة في جولة حول المبيت، الذي كانت تفوح منه رائحة الدهان الجديدة: ورأيت دلوا مخصصا لتقضي فيه حاجتك، والذي ركلته نادرة بغضب؛ ونافذة مغلقة بمصراعها المعدني الذي لا يفتح أبدا؛ وكاميرات مراقبة تتحرك يمينا ويسارا في الزوايا العليا للغرفة. كان هذا كل ما يوجد في المبيت. لا يوجد مفارش ولا أثاث ولا مناديل مراحيض ولا أوراق ولا مغسلة. لا يوجد سوى أنا ونادرة وسط العتمة وصوت غلق أبواب الزنزانات الثقيلة.

لم تكن هذه مدرسة بل كانت معسكرا لإعادة التعليم بقواعد عسكرية ورغبة واضحة في تحطيمنا. فُرض علينا الصمت، ولكن لم نعد نشعر بالرغبة في التحدث على أي حال بعد التعذيب الجسدي الذي شهدناه. مع مرور الوقت، قلّت محادثاتنا. ومرّت أيامنا بين صوت صفارات الاستيقاظ ووقت الطعام ووقت النوم. كان الحراس يراقبوننا بشكل دائم؛ لم يكن هناك سبيل للهروب من أنظارهم ولا مجال للهمس أو مسح فمك أو التثاؤب خوفا من اتهامك بتأدية الصلاة. كان رفض الطعام مخالفا لقواعد المدرسة وإلا سيتم نعتك “بالإرهابية الإسلامية”. في المقابل، ادعى الحراس أن طعامنا كان حلالا.

في الليل، سقطت من على سريري من شدة الذهول. لم أعد أعرف معنى الوقت ولم يكن هناك ساعة. كنت أخمن الوقت بالاعتماد على مدى برودة أو حرارة الطقس. ولطالما كان الحراس يرعبونني، لم نر ضوء النهار منذ وصولنا – وقع إغلاق جميع النوافذ بواسطة تلك المصاريع المعدنية اللعينة. كان أحد رجال الشرطة قد وعدني بأنه سيحضر لي هاتفا، لكنه لم يفي بوعده. من كان يعلم أنني محتجزة هنا؟ هل وقع إعلام أختي أو كريم وغولهومار؟ لقد كنت أعيش كابوسا وأنا يقظة. لم أستطع حتى الانفتاح على زملائي المعتقلين تحت المراقبة المستمرة للكاميرات الأمنية. كنت متعبة جدا، لم أعد قادرة على التفكير.

كان المعسكر عبارة عن متاهة، حيث قادنا الحراس في مجموعات حول المبيت. للذهاب إلى الحمامات أو المرحاض أو الفصل الدراسي أو غرفة الطعام، يقع اصطحابنا عبر سلسلة من الممرات التي لا نهاية لها والمضاءة بالمصابيح الفلورية. لم يسمح لنا حتى بقضاء وقت خاص. في طرفي الممرات، أغلقت أبواب الأمان الأوتوماتيكية المتاهة مثل غرف معادلة الضغط. كان هناك شيء واحد مؤكد: كل شيء هنا كان جديدا، فرائحة الطلاء المنبعثة من الجدران الناصعة تؤكد ذلك. بدا المعسكر وكأنه مبنى لمصنع (اكتشفت لاحقا أنه كان مجمعا للشرطة وقع إعادة تهيئته)، لكن لم أتمكن إلى حد الآن من تخمين مساحة المعسكر كاملة.


دفعني العدد الهائل من الحراس والسجينات الأخريات الذين مررنا بهم أثناء تنقلنا إلى الاعتقاد بأن هذا المعسكر ضخم جدا. وفي كل يوم، كنت أرى وجوها جديدة تشبه الزومبي بأكياس منتفخة تحت أعينهم. بحلول نهاية اليوم الأول، كنا سبعة في زنزانتنا؛ وبعد ثلاثة أيام أصبحنا 12. يمكنني إجراء عملية حسابية السريعة: لقد أحصيت 16 مجموعة من الزنزانات، بما في ذلك مجموعتي، كل مجموعة بها 12 سريرا ممتلئا… والتي كانت تكفي لحوالي 200 محتجز في بيجيانتان. حُرمت 200 امرأة من عائلاتهن. وقع احتجاز مائتي شخص حتى إشعار آخر، ومازال المعسكر يمتلئ.

يمكنك أن تميز الوافدات الجديدات من وجوههن المذهولة وهن يحاولن النظر في عينيك عند مرورهن في الردهة. وتظل اللواتي قبعن في المعسكر لفترة طويلة ينظرن إلى أقدامهن. كن يتجولن في صفوف متقاربة، مثل الروبوتات، ويرفعن رؤوسهن في حالة تأهب وانتباه متى ما تأمرهن الصافرة بذلك. يا إلهي، ما الذي فعلوا بهن حتى بلغن هذه الحالة؟

ظننت أن الدروس النظرية ستخفف علينا معاناة التدريب البدني، لكنها كانت أسوأ. فقد كانت المعلمة تراقبنا دائمًا، وتصفعنا كلما سنحت لها الفرصة. ذات يوم، عندما قامت إحدى زميلاتي في الفصل، وهي امرأة في الستينيات من عمرها، بإغماض عينيها غالبا من الإرهاق أو الخوف، صفعتها المعلمة بقوة قائلة: “أتعتقدين أنني لم أراك تصلين؟ سوف تعاقبين على ذلك”! ثم جاء الحراس وجرّوها بعنف من الغرفة. وبعد نحو ساعة، عادت هذه المرأة حاملة معها ما يسمى بـ “نقدها الذاتي”. وقد جعلتها المعلمة تقرأ ما كتبته بصوت عالٍ. وبوجه شاحب، أذعنت لهذا الأمر، ثم عادت لمقعدها. وكان جلّ ما فعلته لتُعاقب هو إغلاق عينيها فحسب.

بعد بضعة أيام، أدركت ما يقصده الناس بـ”غسل الدماغ”. كل صباح، كانت معلمة من الأويغور تأتي إلى فصلنا الدراسي الصامت؛ امرأة تشاركنا الأصل العرقي ذاته مهمتها تعليمنا كيف نكون صينيين. لقد كانت تعاملنا مثل مواطنين ضالين توجب على الحزب إعادة تعليمهم. لطالما تساءلت عن نظرتها لكل ما يحصل هناك. هل مرّ بذهنها أي شيء على الإطلاق؟ من أين أتت؟ وكيف انتهى بها الأمر هناك؟ هل خضعت بدورها لإعادة التعليم قبل القيام بوظيفتها؟

بإشارة منها، كنا نقف جميعًا في وقت واحد، ونلقي التحية عليها: “لاو شي هاو”! كانت تلك التحية بداية 11 ساعة من التعليم اليومي. كنا نردد صباحا ما يشبه عهدا للولاء للصين: “نشكر بلادنا العظيمة، ونشكر حزبنا، ونشكر رئيسنا العزيز شي جين بينغ”. وفي المساء، كنا نختم اليوم الدراسي بعهد مماثل: “أتمنى أن يزدهر بلدي العظيم، وأن يكون له مستقبل مشرق. أتمنى أن تشكّل جميع الأعراق أمة واحدة عظيمة. أتمنى أن يبقى الرئيس شي جين بينغ سالما معافى. يعيش الرئيس شي جين بينغ”.

كنا نجلس لساعات دون حراك في مقاعدنا، نكرر دروسنا مثل الببغاوات. علّمونا التاريخ المجيد للصين في نسخة مطهرة وخالية من الانتهاكات. ولم يتضمن الكتيب الذي حصلنا عليه المكتوب على غلافه “برنامج إعادة التعليم”، سوى قصص السلالات القوية وفتوحاتهم المجيدة والإنجازات العظيمة للحزب الشيوعي. لقد كان على درجة من التسيّس والتحيز أكثر مما يُلقّن في الجامعات الصينية. أضحكني ذلك في الأيام الأولى؛ هل اعتقدوا حقا أنهم سيتمكنون من كسر شوكتنا ببضع صفحات من البروباغندا؟

لكن مع مرور الأيام، تسلل الوهن إلى أرواحنا مثل وساوس الشيطان. لقد كنت مرهقة، وبات عزمي على المقاومة معلقًا على الدوام. حاولت ألا أستسلم، لكن ضغوط المدرسة واصلت سحق أجسادنا الموجوعة. هذا ما يعنيه غسيل الدماغ إذا – قضاء أيام كاملة في تكرار نفس العبارات الغبية. كما لو أن كل ذلك لم يكن كافيًا، كان علينا قضاء ساعة من الدراسة الإضافية بعد العشاء مساءً قبل الخلود إلى النوم، حيث نراجع دروسنا المتكررة باستمرار لمرة أخيرة في اليوم. وكل يوم جمعة، كان علينا الخضوع لاختبار شفهي وكتابي. بالتناوب، وتحت مراقبة قادة المعسكر، يكرر كل واحد منا نفس العهد الشيوعي الملقن لنا.

على هذا النحو، أصبحت ذاكراتنا قصيرة المدى أعظم حليف وأسوأ عدو لنا في الآن ذاته. فقد مكنتنا من استيعاب واستذكار مجلدات من التاريخ وتعهدات بالمواطنة المخلصة، حتى نتمكن من تجنب الإذلال العلني على يدي المعلمة؛ لكنها في الوقت نفسه أضعفت أهم قدراتنا. لقد سلبتنا الذكريات والأفكار التي تربطنا بالحياة. بعد مرور فترة لم أعد أستطيع استحضار وجوه كريم وبناتي بوضوح. لقد تحولنا إلى مجرد حيوانات غبية. ولم يخبرنا أحد إلى متى سيستمر كل ذلك.

كيف لي أن أبدأ سرد ما مررت به في سنجان؟ كيف أخبر أحبائي أني عشت تحت رحمة عنف شرطيين من الأويغور مثلي، الذين بإمكانهم فعل ما يحلوا لهم بأجسادنا وأرواحنا بسبب المكانة التي منحهم إياها زيهم العسكري؟ تتكون الشرطة من رجال ونساء غُسلت أدمغتهم تمامًا، وباتوا بمثابة روبوتات مجردة من الإنسانية، وحريصة على إنفاذ القوانين؛ أو بيروقراطيين مثيرين للشفقة يعملون في ظل نظام يتم فيه إدانة من يمتنع عن إدانة الآخرين، ومعاقبة من يمتنع عن معاقبة الآخرين. كان ضباط الشرطة مقتنعين بأننا أعداء يجب هزيمتهم – خونة وإرهابيون – لذلك سلبونا حريتنا، وحبسونا مثل الحيوانات في معزل عن بقية العالم، وخارج نطاق الزمن في هذه المعسكرات.

في معسكرات “التحول من خلال التعليم”، لا تحمل الحياة والموت نفس المعاني التي تحملها في أي مكان آخر. مرارا وتكرارا، وكلما أيقظنا وقع أقدام الحراس ليلا، كنت أظن أن وقت إعدامنا قد حان. كان يخالجني نفس الإحساس عندما كانت آلة الحلاقة تمرر بقسوة عبر جمجمتي وتنتزع أيدي أخرى خصلات الشعر التي كانت تسقط على كتفي؛ بينما أغمض عينيّ التي اغرورقت بالدموع، ظنا أن نهايتي قريبة، وأنهم يعدونني للسقالة، أو الكرسي الكهربائي، أو الإغراق. كان الموت يتربص بنا من كل الجهات. عندما أمسكت الممرضات بذراعي “لتلقيحي”، ظننت أنهم يقومون بتسميمي، إلا أنهم في الواقع كانوا يعقّموننا. حينها، فهمت طريقة عمل المعسكرات، والاستراتيجية التي يتم ابتاعها فيها: إذ لم يكن الهدف قتلنا بدم بارد، بل أن نتلاشى ببطء شديد بحيث لا يلحظ أحد ذلك.


لقد أُمرنا بإنكار هويتنا، وازدراء تقاليدنا ومعتقداتنا، وانتقاد لغتنا، وإهانة شعبنا. لم تعد النساء اللائي خرجن مثلي من المخيمات كما كنّ في السابق؛ أصبحن أجسادا هائمة، وماتت أرواحهن. لقد تم إقناعي بأن أحبائي، زوجي وابنتيّ، إرهابيون. وبسبب ما عشته من بعد ووحدة وإرهاق وعزلة، لم يسعني سوى تصديق ذلك. إلى زوجي كريم، وبناتي غولهومار وغولينغار – لقد شجبت “جرائمكم”، وتوسلت للغفران من الحزب الشيوعي عن الفظائع التي لم نرتكبها لا أنا ولا أنتم. إني نادمة على كل ما قلته لإهانتكم. أنا اليوم على قيد الحياة، وأريد أن أعلن عن الحقيقة. لا أعلم ما إن كنتم ستتقبلونني، ولا أعلم ما إن كنتم ستسامحونني. كيف لي أن أخبركم بما حدث هناك؟

احتُجزت في بيجيانتان لمدة عامين. خلال ذلك الوقت، حاول كل من حولي – ضباط الشرطة الذين جاءوا لاستجواب السجناء، بالإضافة إلى الحراس والمعلمين والمدرسين – أن يرغموني على تصديق الكذبة الهائلة التي لم يكن بوسع الصين من دونها أن تبرر مشروع إعادة التأهيل: ألا وهي أن الأويغور إرهابيون. وبما أنني، أنا غلبهار، وبصفتي امرأة من الأويغور عاشت في المنفى في فرنسا لمدة عشر سنوات، فإنني كنت إرهابية أيضًا. لقد تعرضت لموجة تلو الأخرى من البروباغاندا. ومع مرور الأشهر، بدأت أفقد رشدي، وتحطمت أجزاء من روحي فقدتها ولن أستعيدها أبدا.

أثناء استجوابات الشرطة العنيفة، رضخت تحت الضربات – لدرجة أنني قدمت اعترافات كاذبة. لقد تمكنوا من إقناعي بأنه كلما أسرعت في الاعتراف بجرائمي، تمكنت من المغادرة في وقت أسرع. كنت منهكة واستسلمت أخيرًا. لم يكن لدي خيار آخر. لا يستطيع أحد مواصلة الصراع ضد نفسه إلى الأبد. ومهما حاولت التصدي لغسيل الدماغ بلا كلل، كان يقوم بعمله الخبيث. وبعد أن تهجرك رغباتك وشغفك، أيّ خيارات ستكون متاحة أمامك؟ لا شيء سوى تقهقر بطيء ومؤلم نحو الموت أو الخضوع. وإذا تظاهرت بالخضوع، وادعيت خسارة صراعك النفسي ضد الشرطة، فعندئذ على الأقل، وعلى الرغم من كل ما حدث، فإنك تتمسك بجزء من الوعي الذي يذكرك بهويتك. لم أصدق كلمة واحدة مما كنت أقوله لهم. لقد بذلت قصارى جهدي لأكون ممثلة بارعة.

في الثاني من آب/ أغسطس 2019، بعد محاكمة قصيرة أمام جمهور صغير من الناس، أعلن قاض من كاراماي براءتي. بالكاد سمعت كلماته، استمعت إلى الحكم وكأن ليس لي علاقة به. كنت أفكر في كل الأوقات التي أكدت فيها براءتي؛ كل الليالي التي تقلبت فيها على سريري غاضبة لأن لا أحد يصدقني. كما كنت أستذكر كل اللحظات الأخرى التي اعترفت خلالها بكل ما اتهموني به، وكل الاعترافات المزيفة التي أدليت بها؛ كل تلك الأكاذيب.

لقد حكموا عليّ بسبع سنوات من إعادة التأهيل. لقد عذّبوا جسدي ودفعوا عقلي إلى حافة الجنون. والآن، بعد مراجعة قضيتي، قرر القاضي عكس ذلك، وأنني في الواقع بريئة، وبإمكاني الذهاب.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *