بعد طلب أمر اعتقال نتنياهو وغالانت.. “إسرائيل” مذهولة ومحتارة بين “معاً ننتحر” أو “معاً ننتصر”

بعد طلب أمر اعتقال نتنياهو وغالانت.. “إسرائيل” مذهولة ومحتارة بين “معاً ننتحر” أو “معاً ننتصر”

تلفّ “إسرائيل”، منذ عصر أمس الإثنين، حالة من الذهول، منذ صدرت طلبات اعتقال رئيس حكومتها نتنياهو، ووزير أمنها غالانت، من قبل المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، إضافة لثلاثة من قادة “حماس”. لكنها تبدو كالنعامة تطمر رأسها بالرمل، تتهم كل العالم ولا ترى ما اقترفته خلال حرب متوحشة على غزة، منذ ثمانية شهور، يهرب ساستُها للأمام بالقول إنهم مستمرون.

 وكان المدعي العام، كريم خان، قد قدّم أوامر الاعتقال المذكورة للمحكمة الدولية، التي تتجه لتبنّيها، وفق التقديرات العالمية والإسرائيلية، إذ لم يحصل أن رفضت طلباً كهذا من قبل.

 ويستند طلب اعتقال نتنياهو وغالانت على سلسلة جرائم حرب، تجويع وترويع وقتل المدنيين كـوسيلة قتالية، تُهم خطيرة تنسب لإسرائيل. وما يغذي حالة الذهول، وبعض الردود الهستيرية، أن أوامر الاعتقال الدولية تأتي كضربة ثانية بعد ضربة أولى أشد خطورة تمثّلت بدعوى مماثلة قدّمتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية. الفارق بين المحكمتين الدوليتين كبير، فـ “الجنايات الدولية” مختصة بمعالجة أفراد يتهمون بانتهاك القانون الدولي، بينما “العدل الدولية” مختصة بالدول وأفعالها، وانتهاكاتها للقانون الدولي، ورغم الفارق الواضح بينهما أبدى وزيرا الأمن الداخلي والاتصالات بن غفير وكارعي جهلاً بذلك، فخلطا بينهما خلال رد فعلهما على أمر الاعتقال.

الهروب إلى الأمام

وسارع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لمهاجمة وشيطنة المحكمة والمدعي العام، فقال بصوته وصورته إن ” هذا الأمر لن يوقفني، وهذا لا يوقفنا.. حتى النصر المطلق”. وكمن يهرب للأمام، ويذكّر بسلوك طغاة في أوقات الأزمة وهم يدعون مريديهم بـ “إلى الأمام.. إلى الأمام”: “هذا موجّه ضد إسرائيل كلّها.. هذه وقاحة تتهم الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”.

وتبعه وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس في ذات الاتجاه بتوجيه إصبع الاتهام للآخرين متباكياً على اتهام إسرائيل مجدّداً، فقال، في حديث للإذاعة العبرية هذا الصباح، إنها “لاسامية”، داعياً دول الغرب لاستنكار “القرار الفارغ”.

 وهكذا رئيس إسرائيل هرتسوغ، الذي انضم للجوقة، ودعا، هو الآخر، في بيانه، دول العالم الحرّ للتنديد بالقرار، والسعي لـ إبطاله. وهذا ما أكدته المعارضة الإسرائيلية أيضاً.

غير أن الدول الموقّعة على ميثاق روما، وهو أساس محكمة الجنايات الدولية (123 دولة) تصمت، والصمت علامة الرضا عن القرار، عدا ألمانيا والولايات المتحدة (ليست عضواً في المحكمة) التي عاد وقال رئيسها إن بلاده ملتزمة بأمن إسرائيل بمتانة الحديد، معتبراً أوامر الاعتقال “فضيحة”، متجاهلاً بذلك كل ما يجري داخل القطاع وداخل الشارع الأمريكي من احتجاجات واتهامات.

 كيف ترد اسرائيل؟

وتواصل أوساطٌ إسرائيلية سياسية وإعلامية واسعة التنديد بطلب أوامر الاعتقال بحق سياسيين في “دولة ديموقراطية” للمرة الأولى، والتباكي على “الاعوجاج والتشويه”، “المتمثّلين بقلب الضحية إلى جلّاد، جنباً إلى جنب مع عمر البشير والقذافي وبوتين وغيرهم”.

وحسب الإذاعة العبرية العامة، فإن السلطات الإسرائيلية محتارة حول كيفية الردّ على أوامر الاعتقال، فهي ليست عضواً في المحكمة الدولية، تدرس إمكانية الرد الرسمي على المحكمة التي تقاطعها منذ قامت عام 2002، والزعم القضائي أنه لا صلاحية للمحكمة الدولية كونها ليست عضواً فيها، ولا مكان للتدخّل بسبب عمل نظام القضائي الإسرائيلي بشكل مستقل وحرّ ونقدي. بيد أن بعض الخبراء يخشون أن هذا زعم غير كاف في ظل عدم وجود لجنة تحقيق رسمية في هذه الحرب، ولذا يرجّحون عدم الرد الرسمي على أمر الاعتقال، والعمل في المجال الدبلوماسي فقط، واستغلال نفوذ الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الصديقة للضغط على المحكمة.

خبير قضائي إسرائيلي: سلب إسرائيل لحقوق الفلسطينيين يحوّلها لدولة مصابة بعمى قلب

انتقادات ذاتية

مقابل نفي قاطع للتهم، وشن حملات على الجنايات الدولية، توجّه أوساط غير رسمية انتقادات ذاتية وتعتبر من جهة أن المقاربة بين المعتدي والمعتدى عليها مستفزة. ومن جهة أخرى تتهم حكومة نتنياهو بتوريط إسرائيل في حضيض دبلوماسي غير مسبوق نتيجة ارتكاب حماقات والإمعان في العنجهية والعجرفة.

في هذا المضمار، قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، تحت عنوان “النفاق في لاهاي”، إن إسرائيل التي تدافع عن نفسها بعد قتل وخطف مواطنيها وجدت نفسها متهمة لجانب قادة “حماس”، متهمة المدعي العام بوقاحة لا تحتمل. لكن المحلّل البارز فيها، محرر الشؤون الاستخباراتية رونين بيرغمان، يعتبر، في مقال نشر اليوم، أن “العنوان كان مكتوباً على الجدار”.

لا يكفي أن تكون محقاً

وتبعه زميله المعلق السياسي في الصحيفة بن درور يميني، الذي يقول إن محكمة الجنايات الدولية حوّلت نفسها لعبد مصاب بالجذام تابع لمحور الشر والإرهاب، لكن النفاق الدولي لا يعفي القيادة الإسرائيلية من الحضيض الجديد الذي تدهورت نحوه. معتبراً أن على أمريكا منع صدور أوامر الاعتقال عن المحكمة.

في افتتاحيتها اليوم، ترى “هآرتس” أن القيامة قامت في إسرائيل بسبب المساواة بين قادتها وبين قادة “حماس”. وتضيف: “فعلاً، السنوار والضيف شريكان في جريمة حرب في السابع من أكتوبر. مجرد المقارنة مستفزة، ولكن هذا يجسد أيضاً الفشل الإستراتيجي لدى نتنياهو وحكومته: سبعة شهور من الهجمة الإجرامية في السابع من أكتوبر لتجد إسرائيل نفسها على كرسي الاتهام”. كما ترى أن قسماً من الفشل الإستراتيجي مردّه عجرفة نتنياهو.. فالعالم خرج عن طوره، وهو يحذّر إسرائيل من جرائم حرب في غزة، وقد تلقت تل أبيب بطاقة تحذير صفراء من العدل الدولية، قبل شهور، حيث أصدرت الأخيرة أوامر دعتها للقيام بخطوات لمنع إبادة شعب وقتل مدنيين وإلحاق ضرر ومنع الولادة وإدخال إغاثة إنسانية.. بيد أن نتنياهو مضى في غيّه، واستخف بالتحذيرات والمحذّرين، وسط تجاهل مريع وأحمق”.

في مقاله في “هآرتس” تحت عنوان ساخر “معاً ننتحر”، ملمحاً لشعار إسرائيل “معاً ننتصر”، يحذّر الوزير العمالي الأسبق عوزي بارعام من استمرار الكوارث نتيجة حماقات حكومة لا بدّ من إسقاطها بانتخابات عامة.

انهيار دبلوماسي وعمى قلب

وهذا ما يحذّر منه المعلق العسكري في “هآرتس” عاموس هارئيل، الذي يشير إلى أن إسرائيل تتورط في حالة دبلوماسية غير مسبوقة.

وحول تبعات هذا القرار الهام على إسرائيل والحرب، يقول إنه في المنظور القريب القرار يهدد قادتها بسبب الاستمرار في الحرب، أما في المنظور البعيد فربما نجد أنفسنا في انهيار دبلوماسي. هذا التطور أيضاً ينبع من إدارة حمقاء، فالقرار بوقف قنوات الإغاثة لغزة، في مطلع الحرب، دفع لنمو تهمة تجويع الغزيين.

وفي رؤية نقدية، يقول الخبير القضائي الإسرائيلي بروفيسور مردخاي كريمنتسر إن “مساواة نتنياهو وغالانت والسنوار والضيف مشوّهة من أصلها، مساواة الضحية بالجلاد”.

 لكنه يقول، في المقابل:

 “مع ذلك، لا مناص من القول إن إسرائيل جلبت ذلك على نفسها. صورة الدولة المخالفة للقانون، بل المصابة بالجذام، المنبوذة التي ينبغي معالجتها من خلال  ضبط وردع وزرائها المارقين”.

ويخلص كريمنتسر للتأكيد على ما هو أعمق، بالقول إن “سلب الفلسطينيين حقوقهم يحوّل إسرائيل لدولة مصابة بعمى قلب”.

 ضربة مطرقة بالرأس

وتبدو انتقادات وتحذيرات أمثال هؤلاء المراقبين الإسرائيليين محقة ومبرّرة، فأمر الاعتقال أكبر وأخطر من احتمال اعتقال فعلي لنتنياهو وغالانت. نتنياهو فعلاً خائف من ذلك لحدّ الهستيريا، منذ تسريب احتمال صدور مثل هذا القرار قبل أسبوعين.

غير أن الخطورة أكبر من اعتقال ربما يتحقّق، فهذا الأمر الصادر عن جهة دولية مرموقة، وشخصية قضائية معتبرة ومهنية كخان يشكّل ضربة مطرقة بزنة خمس كيلوغرام برأس إسرائيل، لا رأس نتنياهو فحسب، من ناحية المعركة على الوعي والرواية، وعلى صورة ومكانة إسرائيل في العالم، وهي صورة متشظية أصلاً، وباتت دولة منبوذة أمام الرأي العام العالمي.

 نتنياهو متهم في محكمة إسرائيلية أيضاً

مساعي ماكنة دعاية إسرائيل من أجل تطهيرها أشبه بتجفيف بحر غزة بدلو، ولن تفلح في تبييض صفحتها في العالم، بعد حرب قتلت وأصابت فيها 100 ألف مدني في غزة حيث ألحقت بها التدمير طمعاً بالتهجير”، كما قال محرر صحيفة “هآرتس” ألوف بن، في مقاله أمس الإثنين.

لن تتمكّن إسرائيل من تحقيق مرادها من خلال التباكي؛ اتهام الفلسطينيين بأن أياديهم ملطخة بدماء اليهود، وكأن أياديها مخضبة بالحناء، ومن خلال اتهام كل العالم باللاسامية، فهناك ما يكفي من قرائن وحقائق لجعل مزاعم الضحية فارغة وسخيفة وعمياء. فحتى تقارير منظمات حقوقية إسرائيلية، مثل “أطباء من أجل حقوق الإنسان” و”بتسيلم” و “يكسرون الصمت” تتحدث، منذ شهور، عن ارتكاب جرائم في غزة بعد السابع من أكتوبر.

لا يمكن الهرب من هذه الحقيقة، خاصة أن غزة تعرّضت مرات ومرات لمثل هذه الجرائم بحق المدنيين في السابق، كما حصل، على سبيل المثال، خلال حرب “الرصاص المصبوب”، في نهاية 2008، عندما قتلت 1500 من النساء والأطفال، كما أكّد تقريرٌ أممي للحقوقي اليهودي ريتشارد غولديستاين، وشهادات الجنود الإسرائيليين نشرتها صحيفة “هآرتس” العبرية ومنظمات حقوقية إسرائيلية.

 بعد هذا الاتهام الجديد لنتنياهو، الذي تستأنف محاكمته بالفساد اليوم في محكمة إسرائيلية، من المستبعد أن يتوقف عن حملته البرية في رفح، وعن الحرب في غزة، خاصة أن موقف أمريكا متردد ومتذبذب وملتبس، ومن غير المؤكد أن يوقفه قرارٌ محتمل بوقف الحرب يصدر بعد أيام عن محكمة العدل الدولية.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: