بعد فقدان الأوقاف الإسلامية للسيطرة.. أوضاع “الأقصى” تزداد خطورة

حين كانت مجموعة من الفتيات يقرأن القرآن الكريم عصر الأحد داخل مصلى باب الرحمة شرق المسجد الأقصى، دخلت عليهن شرطة الاحتلال، وأخبرتهن أنهن قيد الاعتقال.

وحين رفضت إحداهن الانصياع لأمر الاعتقال ضربها شرطيّ وجرّها بالقوة، وحين اعترض أحد حراس الأقصى على دخول عناصر الشرطة بأحذيتهم إلى المصلى جُرّ معتقلا مع خمس فتيات.

كانت شفاء أبوغالية (18عاما) بين تلك الفتيات، اللواتي انتشرت صورهن على منصات التواصل الاجتماعي وهنّ يغطين وجوههن بالكمامات ويُقتدن عنوة إلى سيارات شرطة الاحتلال.

تقول خديجة خويص والدة شفاء إن ابنتها والفتيات الأخريات وصلن إلى مركز الشرطة ليجدن أوامر الإبعاد عن الأقصى تنتظرهن مع كيل من الإهانات والشتائم.

وتضيف للجزيرة نت “بكت طفلتي الصغيرة فاطمة وهي ترى اعتقال شقيقتها وهجوم الشرطة على الفتيات وضربها لهن، حيث أسقطت إحداهن وجرّتها من قدمها، وضربت رأس فتاة بالحائط، واعتقلت أخرى بدون حذاء”.

وقد أبعدت سلطات الاحتلال خويص عن المسجد الأقصى ستة أشهر بعد سلسلة إبعادات واعتقالات متواصلة. وترى المواطنة أن الاحتلال يتحكم بمرتادي المسجد، ويفرغ مسارات المستوطنين المقتحمين من المصلين، ويمارس انتهاكات عديدة تمس بسيادة الأوقاف الإسلامية على المسجد.

شجب واستنكار

بعد الحادثة بساعات، أصدرت دائرة الأوقاف الإٍسلامية وشؤون المسجد الأقصى بيانا استنكرت فيه اقتحام المصلى واعتقال الفتيات والحارس، واصفة إياها بأنها “تصرفات غير مسؤولة هادفة لتأجيج الوضع داخل المسجد وتغيير الوضع الديني والقانوني للمسجد منذ أمد بعيد” مؤكدة أن “الأقصى مسجد إسلامي للمسلمين وحدهم لا يقبل القسمة أو الشراكة”.

وقد لاقى هذا الانتهاك ترحيبا من منظمة “طلاب من أجل الهيكل” الإسرائيلية عبر صفحتها على موقع “فيسبوك” متمنية أن يكون ذلك تغييرا في سبيل “إعادة باب الرحمة لليهود” كما حيّا وزير الأمن الداخلي الجديد أمير أوحانا مؤكدا أن الأوقاف الإسلامية عدوة لشرطة الاحتلال.

وتزامنا مع استياء مقدسي شعبي على حادثة مصلى باب الرحمة وتفاقم انتهاكات الاحتلال بحق المسجد ومصليه وحراسه، صرّح خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري يوم الاثنين أن “دائرة الأوقاف الإٍسلامية بدأت تفقد سيطرتها على الأقصى تدريجيا”.

بداية فقدان السيطرة

وفي حديثه للجزيرة نت، أكد الشيخ عكرمة أن شرطة الاحتلال تتدخل في إدارة المسجد الأقصى وتمنع حراسه من ممارسة عملهم وتعتقلهم وتبعدهم عن المسجد، في إبطال واضح للصلاحيات الموكلة إليهم من دائرة الأوقاف الإٍسلامية التي لم تتمكن من حمايتهم ومنع عرقلة أعمالهم.

وأشار الشيخ عكرمة إلى أن وضع المسجد الأقصى ازداد خطورة بعد إغلاقه بسبب جائحة فايروس كورونا المستجد (كوفيد-19) حيث أخذت شرطة الاحتلال تقلص صلاحيات دائرة الأوقاف في الأقصى بشكل تدريجي وبقوة السلاح.

وألقى خطيب الأقصى بالمسؤولية على عاتق المملكة الأردنية الهاشمية وعلى الدول العربية والإٍسلامية، مضيفا “لماذا هذا الصمت والأقصى تنتهك حرماته، والعرب والمسلمون صامتون إن لم يكونوا متآمرين؟”.

الأوقاف: سيادتنا قائمة

ويعتقد عضو مجلس الأوقاف الإٍسلامية حاتم عبد القادر أن الشيخ عكرمة لم يقصد حرفيا بداية فقدان سيطرة الأوقاف على المسجد، وإنما تحدث في سياق استعراضه للانتهاكات الإسرائيلية في الأقصى.

ويرى عبد القادر أن الأوقاف الإٍسلامية تفرض سيطرتها على الأقصى رغم إجراءات الاحتلال غير المسبوقة لفرض أمر واقع.

ويؤكد للجزيرة نت أن قوة سيطرة الأوقاف تنبع من قوة الوصاية الهاشمية الأردنية القانونية والسياسية، إلى جانب استناد الأوقاف إلى قوة الجهد الشعبي في التصدي لأي تعدٍ إسرائيلي للخطوط الحمراء كما حدث في هبة البوابات الإلكترونية ومصلى باب الرحمة.

ويضيف أنه رغم إجراءات الاحتلال التي يفرضها الاحتلال في الأقصى بقوة السلاح، فإنه لم يستطع حتى الآن اتخاذ خطوة دراماتيكية داخله، مما يثبت سيطرة الأوقاف عمليا على إدارته وترميمه.

تفاقم الانتهاكات بعد كورونا

ومنذ إعادة فتح الأقصى نهاية مايو/أيار الماضي وعلى مدى 22 يوما، شهد المسجد الأقصى تسارعا غير مسبوق في فرض وقائع جديدة رصدها الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص.

وأكد ابحيص أنها تندرج وفق خطة مرسومة مسبقا ضمن “صفقة القرن” التي نصت على اعتبار الاحتلال “راعيا جيدا للمقدسات” التي يجب أن تبقى بيده وحده، ولا تذكر الأوقاف أو الأردن صراحة ولا تلميحا في كل ما يتعلق بالقدس.

وتشمل وقائع الاحتلال الجديدة بالأقصى تفريغ مسار الاقتحامات تماما أمام المقتحمين واعتقال وإبعاد كل من يوجد فيه من المصلين، إلى جانب منع توثيق الاقتحامات إعلاميا، وأداء الطقوس اليهودية بشكل موسع خلال الاقتحام بحماية شرطة الاحتلال، وإعادة استهداف مصلى باب الرحمة، إضافة إلى إبعاد أكثر من 46 فلسطينيا عن الأقصى خلال 22 يوما.

استرداد عناصر القوة

وبيّن ابحيص للجزيرة نت أن سيطرة الأوقاف الإسلامية على الأقصى في تراجع منذ صعود أجندة الهيكل وتقسيم الأقصى إلى الواجهة منذ عام 2002.

وأضاف أن الاحتلال “يسعى لتحويل دائرة الأوقاف إلى إدارة شكلية، يمرر تحت مظلتها كل مخططاته، فتفقد بذلك مشروعيتها الإسلامية الأصيلة، ويصبح شطب دورها سهلاً”.

واعتبر ابحيص أن الأوقاف الإٍسلامية حافظت على دورها كإدارة إسلامية حصرية للأقصى رغم احتلاله على مدى ثلاث سنوات ما بين 1967-1970، من خلال عناصر قوة كامنة يمكن الاستفادة منها حاليا، أولها الحفاظ على الثوابت، وثانيها الموقف الشعبي الذي ينعقد خلف هذه الثوابت، وثالثها الدعم الرسمي.

وختم بالقول “لقد شهدنا إخلالا بهذه المعادلة خلال أزمة كورونا، واليوم لا بد من إعادة هذه المعادلة إلى نصابها الصحيح، وهذا ما يبادر إليه فضيلة الشيخ عكرمة اليوم من موقعه حين يطلق موقفاً يمثل الثوابت الإسلامية ويمهد لبناء الإجماع الشعبي حوله”.

(الجزيرة نت)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *