تدبر القرآن على خلفية التخصص

تدبر القرآن على خلفية التخصص

 يتحدث الدكتور عبدالحميد القضاة (رحمه الله) في هذه الحلقة حول أهمية التدبر في القران الكريم فيقول:” وبين يديك دراسة للقرآن الكريم على خلفيةِ تَخصصي في علم الجراثيم، ومع علمي الأكيد أن كتابَ اللهِ هو كتابُ هدايةٍ ورشدٍ، أوضحُ أوجهِ إعجازهِ لقارئيهِ عند النزولِ تمثلت بالفصاحةِ والبلاغةِ،بحيث كان لوقوف احدهم عند آية واحدة كافية لإعلان إسلامه لشدة إنبهاره بمبناها ومعناها، ودارت الأيام فضعف تذوقنا للغة العربية وسحر بيانها،وضعف تأثير هذا الجانب في الدعوة على أهميته.

وفي بداية الدعوة، ومع هذا التفوقِ اللغوي المتميزِ للعربِ في حينهِ إلا أن بعضهم أدركَ الحقيقةَ، وبانَ لهُ الفرقُ بين الثرى والثريا، وآمن من الوهلة الأولى، وبعضهم أدركَ ذلك، ولكنهُ خسرَ الجولةَ بسببِ عِنادِه. وطبعا استدارَ الزمانُ دورتَه، وتقدمَ العلمُ تقدماً عظيماً، فظهرت لنا أوجُهٌ إعجازيةٌ مدهشةٌ جديدةٌ، وردت أشاراتها في القرآنِ الكريمِ منذُ البدايةِ، ولكن عجزَ الإنسانِ وقلة علومهِ في حينه، لم تُسعفهُ أن يفهمها آنذاك.

 وعلى هذا الأساسِ، فقد درستُ القرآنَ الكريمَ على خلفيةِ تخصصي، فوجدتُ إشاراتٍ كثيرة معجزة لا يفهمها إلا علماءُ الجراثيمِ بحكمِ تخصصِهم، تُضيف بعضَ المعاني الجديدةِ على ما ذكرهُ السابقون، ولو مَر على هذهِ الآياتِ غير أهل الإختصاص، لما أدركوها من هذه الناحيةِ، لافتقادهم الخلفيةَ المُتخصصةَ، ولكنّهم ربما أدركوا منها نواحٍ فاتت غيرهم، ولهذا فإنّ أي دارسٍ متخصصٍ ومتدبرٍ للقرآنٍ الكريمِ على خلفيةِ تخصّصه، سيجدُ ما يُضيفُهُ للمكتبةِ الإسلامية، وفهم أكثرلآيات هذا الكتابِ ؛الذي لا تنقضي عجائبُهُ ولا تفنى عبرهُ.

ومثالُ هذهِ الإشاراتِ ما جاءَ بالآية الكريمةِ التاليةِ قوله تعالى : « أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظـَامِ كَـيْـفَ نُنشِـزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهـَا لَحْمـاً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَـالَ أَعْلَـمُ أَنَّ اللـّهَ عَلَـى كُــلِّ شَـيْءٍ قَدِيـرٌ « (البقرة 259).

 ومن المعروفِ علمياً وعملياً الآن، أن الجراثيم موجودة في كل مكان، ولذلك من الطبيعي جدا أن تجد الطعام قد أفسدته هذه الجراثيم خلال أيام وهو خارج الثلاجة،أوبعد اسابيع وهو حتى في الثلاجة العادية ، ولكنَّ الله القديرَالذي قال للرجل:” فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ”، منعَ هذهِ الجراثيمَ من أن تُفسدَ طعامَه وشرابَه، رغم مرورِ مائةِ عام، فأوقف الله سنته الكونية المعروفة في تحليل الجراثيم لهذه المواد وسحب منها هذه الصلاحية مؤقتا ، ولكنّ الله عز وجل في الوقتِ نفسِهِ سمحَ للجراثيمِ الموجودة في بطن الحمارِ من تحليلِ جسدهِ كالعادة، فتحلّلَ وتلاشى حسبَ سُنةِ اللهِ في خلقِهِ، مصداقا لقول القدير العزيز للرجل في نفس الآية: “ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظـَامِ كَـيْـفَ نُنشِـزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهـَا لَحْمـاً “، الحمار تحلل واصبح أثرا بعد عين، ولم يره الرجل إلا بعد أن أذن الله للعظام بأن تُنشز وتُكسى لحما،فلما تبين له واستقر أمام الرجل:قَـالَ أَعْلَـمُ أَنَّ اللـّهَ عَلَـى كُــلِّ شَـيْءٍ قَدِيـرٌ”

 ولأن الجراثيمَ جندي مطيع من جنودِ اللهِ تبارك وتعالى، وأمرها اولاً وآخراً بيد خالقها، سيرَّها كما شاءُ، فقد منعَها في الأولى من تحليل وإفساد الطعامِ والشرابِ، وسمحَ لها في ألأخرى أن تقوم بعملها كالمعتاد في تحليل جسم الحمار، لأنّ الله على كل شيء قدير.

وبناءً على ما سبق فإنني أنصح كل مسلم أن يقرأ ويتدبر القرآن الكريم على خلفية تخصصه، بغض النظر عن نوعه، فسيجد خيرا كثيرا،وستتكشف له جوانب لا تظهر لغيره من الإختصاصات الأخرى،والله تبارك وتعالى يقول” وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ( العنكبوت43)،أي الراسخون بالعلم والمتدبرون لآيات الله.

(البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: