قلم
فضل داود
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

حين أسر إليَّ بسرِّه.. أحد أعضاء السلطة الفلسطينية

قلم
فضل داود
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

في بدايات التسعينات وانطلاق ما يسمى «عملية السلام»، التي ما كانت إلا فخ «استدراج وإفراغ»؛ استدراجٍ للدول العربية للدخول في عملية سلام، وإفراغٍ للقضية الفلسطينية من مضمونها، نضالاً ومقاومة وتاريخاً، وعكس بوصلتها ليتجه بدلاً من مقاومة الاحتلال إلى التعايش مع الاحتلال وإقرار حقوق له لا يستحقها، وصولاً إلى إنهاء “الصراع ” العربي والفلسطيني مع الكيان المحتل بالصورة التي يريدونها فقط.

نتذكر كيف وقف «أبطال عملية السلام» والمحتشدون لالتقاط صورة تذكارية تخليداً لعملية التوقيع على معاهدة السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وكانت الصورة لا تعدو صورة دعائية لا روح فيها، ولا حقيقة فيها سوى حقيقة التوقيع على إعطاء حق لمن لا حق له. ولا تزيد الصورة عن كونها تشبه صورة المتصارعين في ألعاب المصارعة الحرة وابتسامة الفائز التي ما هي إلا للدعاية ومن خلفهم المشجعون الذين يعلمون أن كل ما كان على الحلبة ما هو إلا عرض تمثيلي وبالرغم من ذلك يشجع الحضور ويهتف بحماسة. وكذلك كان الأمر في حفل التوقيع على «معاهدة السلام».

مرت العملية في مراحل متعددة من التجزئة والتعطيل المقصود من الكيان والقوى التي تقف خلفه، مصحوباً بلهاث متسارع من «السلطة الفلسطينية» لتحقيق بنود اتفاق «عملية السلام». وكان الكيان وداعموه يلقون للسلطة الفلسطينية بين فترة وأخرى ما يُسكت تبرُّمها من عدم تحقيق تقدم ملموس في بنود الاتفاق، وانتفاء أي مكتسبات للفلسطينيين. ولم يكن الأمر في حقيقته سوى عملية إلهاء للدول العربية والسلطة الفلسطينية تهدف إلى توجيه الصراع بعيدًا عن تحقيق المكتسبات، بدلاً من التفكير بالاحتلال وحقيقته، والتركيز على أن المكتسب الحقيقي هو جلاء المحتل لا تحقيق مكتسبات مادية على حساب قضية شعب وأمة كاملة.

تضمنت الإلهاءات تفعيل الدول الكبرى بنداً من «اتفاقية السلام» يمكّن السلطة الفلسطينية من إنشاء مناطق تجارية حرة حتى تحقق استقلالاً مالياً، أو على الأقل هكذا كان الطرح المزعوم.

التقيت آنذاك بأحد مسؤولي السلطة الفلسطينية من أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، للاتفاق على تنفيذ أعمال التسويق والدعاية الخاصة بالمناطق التجارية الحرة، وقابلته مستمعاً لما لديه من أفكار، باعتباري مستشاراً يقدم ما تحتاجه المبادرة من جهود الترويج والتسويق.

وما زلت أذكر الحماس الشديد لذلك المسؤول عند الحديث عن مشروع المناطق التجارية وإيجابياتها وما تحققه من استقلال للسلطة عن الكيان المحتل. ولكني لمحت في عينه ما يحاول إخفاءه عند حديثه عن مشروع المناطق الحرة وما يحققه من مكتسبات للشعب الفلسطيني، وتوقف فجأة حين أدرك أني أنظر إليه نظرة تعجّب وحيرة. فبادرني بالسؤال:

«هل هناك شيء؟»

ما كان سؤاله إلا لفهم نظرة الحيرة والتعجب التي ارتسمت على وجهي.

فبادرته بالإجابة بسؤال مباشر: “هل أنت مقتنع حقاً بأن هناك «عملية سلام» أو “هل من الممكن أن يكون هناك عملية سلام؟”.

ارتسمت على وجه الرجل علامات امتعاض حاول إخفاءها من خلال جوابه الذي بدا مرتبكا تصحبه رجفة وبحة، وأبديت له عدم قناعتي بما يقول، فأومأ برأسه منصتا لصوته الداخلي، ورفع رأسه قائلاً: «سأخبرك بما لم أقله من قبل لأحد، ولا أدري، لعله صوت الحقيقة الذي بداخلي هو ما يدفعني للبوح بما في نفسي، وربما لن يكون صوت الحقيقة متاحاً في وقت آخر». فقلت: «تفضل»،

قال، والكلام مقتبس من حديثه:

“في البداية ما فعله أبو عمار وقبول منظمة التحرير بعملية السلام، كان ضغطاً من أطراف متعددة، وكانت القضية الفلسطينية في وضع لا يُحمد عقباه وفق نظرته ومعرفته -ياسر عرفات- وأن هناك أمور كثيرة مسكوت عنها، بدءاً من الانتفاضة الفلسطينية ومروراً بغزو العراق للكويت، وتم استدراج منظمة التحرير إليه آنذاك، وقد صار هذا واضحاً لديه بعد ذلك بسبب الضغوط التي تعرض لها، وتخلي أطراف عديدة عنه بشكل واضح وصريح، إن لم يكن علناً ففي السر”.

وحين سألته عن المناطق التجارية وما فيها، قال: “هي تمهيد لمن بعدنا وليست لنا”، فسألته عن مقصده، فقال: “باختصار هي محاولة لنا لتحقيق مكسب طويل المدى للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، ومحاولة لتأسيس ما يخدم الشعب الفلسطيني، ولكن لا يبدو أن هذا الأمر قابل للتحقيق على المدى البعيد، فكل ما يخص هذا الموضوع مرهون بموافقة الإسرائيليين والأمريكان والأوروبيين، فهم من يتحكمون لأنهم الممولون، وإن لم يكونوا ممولين فهم أصحاب القوة لا نحن، وقد تسترجع إسرائيل بالقوة الأراضي التي ستقام عليها المناطق التجارية الحرة، فهي من تمسك بزمام الاقتصاد الفلسطيني لا نحن، وإن كنا نملك الأرض على الورق بموجب «اتفاقية السلام». عليك أن تتخيل ما هو الوضع على حقيقته لا أكثر”.

سألته بوضوح: «لماذا إذن دخلتم في هذه اللعبة من البداية، بوجود هذا الشك الكبير في تحقيق السلام؟»، فأجاب:

“أخبرتك عن الضغوط التي فُرضت خلال الانتفاضة الفلسطينية على منظمة التحرير، مروراً بغزو العراق للكويت، وكيف أن القضية الفلسطينية كانت حينها على المحك، فكان لا بد من ذلك إنقاذاً للأرض ولقضية الشعب»، فسألته أن يوضح أكثر، فقال: “ما أراده -أبو عمار- كان إيجاد موطئ قدم في فلسطين، حتى يصبح الصراع على أرضها لا من الخارج، خاصة وأن المنظمة استدرجت إلى الفخ ووقعت فيه وانتهى الأمر، عند غزو العراق للكويت، حين اتفقت الأطراف الخارجية على إنهاء وجود منظمة التحرير على كل الأراضي التي كانت تنشط عليها، وتم التضييق عليها في أماكن عدة، وغدت مصالح البلدان هي ما يحكم العلاقة مع منظمة التحرير، فأصبح الأمر قائماً على إلغاء أي وجود للمنظمة على أن يحدث هذا الإلغاء بانتظام واستتار، حتى يتم إغلاق مكاتبها التمثيلية في كل مكان، هذا عدا عن أن منظمة التحرير كانت قد وُضعت على قوائم الإرهاب، وكان الكل سيتنكر لها أو يحاربها. فما كانت المشاركة في «عملية السلام» إلا محاولة لتجنيب القضية الفلسطينية القتل والاغتيال. لقد أدرك -أبو عمار- (أن لا سلام حتى على المدى البعيد)، ولكن القبول بـ «عملية السلام»، كان كل ما لديه” ولا شيْ غيرها.

سألته: والأصدقاء؟

ضحك بسخرية قائلاً: لا أصدقاء في السياسة، بل إننا، نحن الأعضاء في منظمة التحرير، و-هُم-، نعلم الحقيقة: «لا يخدعنّك ما تراه في الإعلام، فالسر غير العلن، بل أزيدك من الشعر بيتاً.. اعلم أن لا وجود لما يسمى (دول عدم الانحياز) فما هي إلا تسمية في الظاهر، وما الكل إلا متفق مع الغرب ومعترف بإسرائيل حتى قبل إعلان قيامها، ومن اعترف من تحت الطاولة أكثر بكثير ممن اعترف بها علناً، ولولا الاعتراف بها لما كان هناك كيانات ولما قامت دول”. وأضاف منهياً حديثه: «سأكتفي بهذا القدر».

انتهى الحوار حينها على الأقل من طرفه، ولكنه لم ينتهِ من طرفي، فتساءلت عما إذا كان صادقا وتحدث بالحقيقة! ولم سيكذب الرجل ولا مصلحة له معي إلا عمل عابر! على أن ما صدني عن التشكيك بكلامه كان ما وجدته من تردد وتهجد في صوته، وما سمعته من صوت الحقيقة في داخله في بداية الحديث.

استذكرت اليوم، هذا الحديث الذي دار قبل ما يقارب من ٣٠ سنة، في ظل الوقائع المذهلة على المسرح الحالي للأحداث، وزلزال ما بعد السابع من أكتوبر، ومساعي إبادة الشعب الفلسطيني واغتيال قضيته، كما استذكرت مشهد «أبطال عملية السلام» والجمهور القابع خلفهم في حفل التوقيع- وكيف أن الكيان ومن ورائه الأمريكان وداعموه يعملون على إسدال ستار المشهد الأخير للقضية، ولكن الشعب الفلسطيني يأبى أن يُسدَل الستار إلا بيده وبالطريقة التي يريد وفي الوقت المناسب، فهو صاحب الحق والأرض، ويقول: إن وقت إسدال الستارة لم يحن بعد.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts