خبراء عسكريون يستبعدون مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية بعد استهداف “أرامكو”

عمّان – رائد الحساسنة

على الرغم من تصاعد حدة التوتر في منطقة الخليج العربي بعد استهداف معامل النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية بطائرات مسيرة الأمر الذي تسبب بضررٍ بالغٍ لإمدادات النفط العالمية مع اتهامات صريحة لإيران بالوقوف خلف الهجمات؛ إلا أن خبراء عسكريين يستبعدون حدوث مواجهة عسكرية حتمية بين إيران من جهة وأمريكا وحلفائها في المنطقة وعلى رأسهم السعودية من جهةٍ أخرى لعدة أسبابٍ معتبرة.

وفي قراءته للمشهد المحتدم في المنطقة، قال الخبير العسكري الدكتور قاصد محمود إن الحوثي اعترف صراحة باستهداف معامل النفط في أرامكو السعودية، وهو لا يملك القدرة ولا يملك التكنولوجيا والطيران، وهو مرتبط ارتباطًا عضويًا بإيران، ولذلك فإن إيران مسؤولة عن هذا الاستهداف سواءً نفذت يداها العمل أو لم تنفذ فهي من يتحمّل المسؤولية مائة في المائة.

وأكد قاصد محمود في تصريح لـ “البوصلة” أن القضية اليوم باتت قضية أمريكية إيرانية، وتعد السعودية ضحية، لأن الصراع الأمريكي الإيراني حول الملف النووي احتدم منذ قدوم الرئيس دونالد ترامب لسدة الحكم بأمريكا، وأصبح يتصاعد تدريجيًا، حيث بدأ باستهداف الطائرة الأمريكية المسيرة ثم استهداف ناقلات النفط، ثم ذهبت إيران لأبعد من ذلك حيث استهدف معامل النفط في أرامكو وأدت العملية إلى شلل يقدر بخمسين في المائة من إنتاج السعودية من النفط، وهذا يقدر بنسبة 7% من الإنتاج العالمي.

ونوه إلى أن إيران تعلن بذلك أن “النفط بالنفط”، وطالما نفط إيران لن يصدر للخارج فلن يخرج نفط الآخرين كذلك.

واستبعد الخبير العسكري أن يكون هناك أي تصعيد أو عمل عسكري إلا في حالة عدم الاكتراث بالنتائج أو أن يكون هناك ترتيب معين لعمل عسكري بالتنسيق مع كل الأطراف بما فيها إيران.

وأوضح محمود أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى للخروج بماء وجهه، مقابل أن تحقق إيران أكبر صفقة في تاريخها وتعيد الأمور إلى مربع حيث كانت الاتفاق النووي، وتعيد ترامب إلى مكانه الطبيعي، لكنه استبعد هذا السيناريو في الوقت ذاته.

ورجح  أن الأمور ستترك على ما هي عليه في الخليج العربي، فإيران حققت ما تريد وترامب عليه أن يعيد حساباته من وجهة نظر إيران، مشيرا إلى أن خامنئي صرح بأنه لا لقاء مع الأمريكان.

وقال محمود: الآن إيران تتصرف كطرف أقوى في المعادلة، وسيناريو العمل العسكري وارد، لكنه ضعيف جدًا، لأن كلفة العمل العسكري كبيرة جدًا ولا يستطيع تحمّله حتى الاقتصاد السعودي، ولو حدث ستكون أموال السعودية مبتزة لعشر سنواتٍ قادمة.

وشدد على أنه لن يكون هناك مغامرة لأن ترامب ذاهب لانتخابات، ولن يغامر بعمل عسكري إلا بضربة محسوبة وصفقة أكبر والعودة إلى مربع تقاطع المصالح بين إيران وأمريكا على حساب العرب وخاصة السعودية.

وعبّر عن خيبة أمله من حالة الهزيمة والضعف العربي، مشددًا على أن أحوال الأمة لن تتبدل دون حدوث صحوة للشعوب العربية والإسلامية، وأكد أن السياسات العربية والأداء السياسي العربي اليوم كله يصب في خانة “الهزيمة” وبعيد كل البعد عن “النهضة”.

تعزيز نفوذ إيران لا قلب الموازين

من جانبه يرى مايكل نايتس، الخبير في الشؤون العسكرية لدول الخليج في “معهد واشنطن” أن إيران تعتبر في حادثة بقيق تعزيزًا لنفوذها في المنطقة بدلاً من قلب موازين اللعبة برمّتها.

وقال نايتس: إنه من الصعب دائماً قراءة نوايا إيران نظراً لتعدد الأطراف الفاعلة في مؤسستها الأمنية والدبلوماسية وتنوعها. ومع ذلك،  إذا افترضنا ثبوت صحة الدلالات الأولية على حدوث الهجوم بواسطة صواريخ جوالة تم إطلاقها من الأراضي الإيرانية، فإن الضربة تشكّل مجازفة جريئة للغاية من قبل القيادات الإيرانية.

وأوضح أنه يمكن لإيران أن تعتمد على شكوك الرأي العام لإنكار مسؤوليتها إلى حد ما مهما كانت الظروف، لكن أي هجوم بهذه الضخامة قادرٌ بدرجة أكبر بكثير على إثارة عواقب دبلوماسية وعسكرية شديدة الخطورة.

وقال نايتس: إذا خلصت نسبة كبيرة من أجهزة الاستخبارات إلى أن أهم موقع للطاقة في العالم تعرّض لضربة بواسطة أسلحة متقدمة على نحو غير مسبوق وتم إطلاقها مباشرةً من إيران أو من قبل وكلاء النظام الإيراني، سيشكّل هذا الاستنتاج تحدياً ليس للرياض وواشنطن فحسب، بل لمجتمع الطاقة العالمي بأكمله، بما في ذلك الصين أيضاً.

ويرى الخبير العسكري أن أحد الاحتمالات في هذا السياق هو أن مسؤولي الأمن الإيرانيين قرروا أن بإمكانهم مواصلة اختبار العزم الأمريكي والسعودي دون معاناة عواقب وخيمة، ربما بهدف زعزعة أو إبطال ثقة أحدهما بالآخر أو عزمهم على مجابهة طهران.

واستدرك بالقول: وفي النهاية، لم تجابَه جميع الضربات التي وجّهها النظام بوتيرة تصاعدية بأي ردٍّ انتقامي حقيقي، بدءاً من هجمات الفجيرة في 12 أيار/مايو وضربة 14 أيار/مايو على خط أنابيب شرق-غرب في السعودية، مروراً بالهجوم الذي استهدف ناقلتَي نفط في مضيق هرمز في وضح النهار يوم 14 حزيران/يونيو، وصولاً إلى إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار في 20 حزيران/يونيو.

وخلص نايتس إلى أن طهران تسعى عاجلاً لإجبار الغرب على تخفيف العقوبات عليها مقابل الحد من هذه الهجمات وتجميد أنشطتها النووية التي تسارعت وتيرتها في الآونة الأخيرة. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تعتبر إيران أن حادثة بقيق لن تقوم سوى بتعزيز نفوذها بدلاً من قلب موازين اللعبة برمّتها.

ضرورة مواجهة عواقب ذات مغزى

ويرى الخبير العسكري نايتس بضرورة الرد على إيران حتى إذا كانت إيران غير مهتمة بإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي، إلّا أنّها تبدو تائقةً إلى تخفيف العقوبات عليها والحصول على تسهيلات ائتمانية على المدى القريب، ولذلك قد تكون قابلة للتأثر بحملة ضغط دبلوماسي حاد.

وقال إنه ثمة مبرر آخر لاتخاذ إجراء دولي كبير يكمن في نطاق الهجوم الأخير – فقد تعمّدت إيران أن تتجاوز بكثير حدود استفزازاتها السابقة، ولذلك إذا تجنبت العواقب مرة أخرى، فقد ترتئي أنها تملك الحرية المطلقة للذهاب في تحركاتها إلى أبعد من ذلك، سواء ضد السعودية أو إسرائيل أو غيرهما من شركاء الولايات المتحدة. وعلى الصعيد الجيوسياسي الأوسع، ستراقب دول استفزازية أخرى في العالم ردّ واشنطن – من بينها روسيا (التي تتربص لأوكرانيا وللعمليات الانتخابية في مختلف أنحاء العالم) والصين (التي تضع تايوان نصب أعينها) وكوريا الشمالية (التي تدرس العزم الأمريكي حول اختبارات الأسلحة والقضايا الأمنية الأخرى).

ويؤكد نايتس بالقول: من هنا، وحرصاً على إعادة ترسيخ قوة الردع، يجب ألا يغفل هذا الهجوم أو يبقى بلا ردّ. وفي الوقت نفسه، يجب على واشنطن أن تنظر إليه على أنه فرصةً لتحسين النظرة المتداولة حول سياسة واشنطن تجاه إيران.

يذكر أن مجمعا “بقيق” و”خريص” التابعين لشركة أرامكو النفطية، شرق السعودية، تعرضا السبت الماضي إلى هجوم بطائرات مسيرة، تبنى الحوثيون المسؤولية عنه.

ويعد هذان المجمعان القلب النابض لصناعة النفط في المملكة، إذ يصل إليهما معظم الخام المستخرج للمعالجة، قبل تحويله للتصدير أو التكرير.

وحمّل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إيران مسؤولية الهجمات، فيما أكد التحالف السعودي الإماراتي باليمن أن الأسلحة التي استخدمت في تنفيذه “إيرانية”.

ورغم حديث واشنطن عن “دراسة خيارات الرد”، إلا أن الرئيس دونالد ترامب أكد أنه “غير مهتم” بنفط الخليج، وجدد الحديث عن ضرورة أن “تدفع” السعودية مقابل أي تحرك لبلاده.

(البوصلة)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *