“سئمت الخوف”.. متحجبات فرنسيات يتحدثن

في وقت عاد فيه الجدل الدائر حول الحجاب بقوة إلى الساحة الفرنسية بعد فضيحة هجوم عضو في البرلمان على محجبة، أحصت إحدى الصحف 85 نقاشا على القنوات الإخبارية مع 286 ضيفا لم تكن بينهم محجبة واحدة، رغم أن الحجاب الذي يرتدينه هو موضوع النقاش.

وفي هذا المناخ الذي وصفته صحيفة لوباريزيان الفرنسية بأنه “إذلال”، أجرت الصحيفة مقابلة مع ست من هؤلاء المواطنات الفرنسيات اللاتي يستمعن كل مرة لهذا النقاش الذي يعنيهن، دون أن يدعون إلى المشاركة فيه مطلقا.

وقالت الصحيفة إن من سمتهن سارة وزونا وصابرينا وهند وصفية وإيناس اللاتي تتراوح أعمارهن بين 19 و55 عاما، يعشن في مناطق مختلفة من فرنسا ولا يعرفن بعضهن بعضا، لكنهن يشتركن في كونهن محجبات.

وأوضحت الصحيفة أن المحجبات اللاتي وافقن على الحديث إليها عما يعشنه يوميا كنظرات الناس لهن في المترو والمجادلات والمخاوف، رفضن جميعا إظهار صورهن، حتى إن كثيرات قبلهن رفضن الحديث أصلا بسبب الحياء وخوفا من حملات الكراهية، وربما مخافة تحريف كلامهن من قبل وسائل إعلام لم يعدن تثقن فيها. 

كلما عاد الجدل يصبح الحجاب أثقل

وتقول سارة (19 عاما) التي تحلم بفتح عيادتها الخاصة بعد أن تنهي دراسة علم النفس بجامعة نانتير، إنها ارتدت الحجاب من تلقاء نفسها عند الرابعة عشرة، وإنها تفعل ذلك مثل والدتها التي اعتنقت الإسلام.

وقالت إنها تساءلت عن دلالة الحجاب، موضحة أنه بالنسبة لها “علاقة مع الله” وهي تعتبره جزءا منها، ولم “أكن أتوقع أي ردود فعل معينة، أعتقد أنني كنت ساذجة. وما أدهشني في البداية هو النظرات المعادية في وسائل النقل”.

وأضافت أنها بوصفها امرأة يجب أن تكون يقظة على العموم، ولكن مع الحجاب ينبغي أن تكون اليقظة مضاعفة، مشيرة إلى أنه كلما عاد الجدل حول الحجاب، يصبح “الحجاب أثقل”.

وقالت الطالبة إن الأفكار التي تروج عن الحجاب لا علاقة لها بواقع المحجبات، ولكنها مع ذلك تؤثر على رأي الناس، “يسألونني أحيانا -لا عن سوء نية- هل يفرضون عليك الحجاب؟ غير مدركين أن هذا الاتهام خطير، لكننا لسنا متحدثات باسم المحجبات في العالم”.

وتختم سارة بأن لديها انطباعا بأن السياسيين يفضلون التحدث عن الحجاب بدلا من مواجهة المشاكل الحقيقية للمجتمع، ليجعلوا من المسلمين كبش فداء بشكل دوري، مضيفة “مع أننا نسخر من ذلك أحيانا، إلا أن الأمر متعب، خاصة أن الحديث عنا بضمير الغائب يجردنا من إنسانيتنا، ولكنني لن أنثني لأنني لم أرتكب أي خطأ”.

لا تكوني متعرضة
من ناحيتها تقول زونا (55 سنة) التي تعمل وكيلة إقليمية في مدرسة حضانة في باريس، إن “المناخ أسوأ من ذي قبل. ولا علاقة لنا بالدراما التي تحدث. نحن خائفون مثل الجميع. هناك نظرات سيئة وشريرة أحيانا في المترو. أنا لا أجيب أبدا عن الأسئلة”.

وتضيف زونا التي تزيل حجابها كل صباح عند وصولها إلى العمل، أن الكثيرين يعتقدون أن المرأة المحجبة غير متعلمة، مشيرة إلى أنها لم تعد ترتدي الجلباب في فرنسا، رغم أنها تحجبت من سن الثانية والعشرين.

وتقول زونا إن بعض النساء يكن في بعض الأحيان استفزازيات بارتدائهن البرقع الذي يلبس خاصة في أفغانستان ويحظر في الأماكن العامة في فرنسا، متذكرة الخوف الشديد الذي انتاب طفلا يبلغ من العمر ثلاث سنوات عند رؤية امرأة محجبة ترتدي ثوبا أسود. 

سئمت من الخوف طول الوقت
أما هند (22 عاما) التي هي من عائلة مسلمة وتعد رسالة الماجستير في علم الاجتماع بجامعة ليون، فتقول إن رحلتها الروحية بدأت عندما كان عمرها حوالي 14 سنة، وطرحت على نفسها العديد من الأسئلة حول الإيمان، وقرأت الكتاب المقدس والتوراة والنصوص البوذية أو الهندوسية.

وشيئًا فشيئا -تقول هند- “بدأت أشعر بالحاجة إلى ممارسة شعائر دينية يومية، وإلى إقامة صلة مع الله لأشعر بأنني مسلمة. فبدأت أرتدي الحجاب في السادسة عشرة، مما أعطاني شعورا بأنني أتحكم في صورتي وفي جسدي”.

وتشير هند إلى أن بعض الناس في عائلتها لم يفهموا ما قامت به، خاصة عمتها التي كانت تعتقد “أنني تحت تأثير والدي الذي لم أتحدث معه قط عن الدين، بل إنه قال لي مرة إن الأمر سينتهي بي في سوريا”، وأضافت أن هناك أمرا لا يطاق من اعتبار المتحجبات قاصرات يتلاعب بهن الرجل.

وسرعان -تقول هند- ما “واجهت الإسلاموفوبيا وذلك عندما ارتديت الحجاب، خاصة أنه رمز مرئي للإسلام، لذلك أتساءل هل أنا آمنة؟ فعندما ينظر إلي شخص أشعر بأنه قد يكون عنصريا”.

وتضيف “عندما أتمشى أحمل مستندات على هاتفي حول القانون والعلمانية للرد على من يمكن أن يقول لي إن حجابي محظور. لقد سئمت من الخوف طوال الوقت. ولكن إذا خلعت الحجاب سأكون خاضعة حقا”.

جارتي تتعجب مني كثيرا
وفي حديثها للصحيفة، تقول عاملة المنازل الجزائرية صابرينا (54 سنة) إنها ارتدت الحجاب منذ عامين فقط، ولكنها لا تزال تذكر تعجب جارتها الشديد، رغم أن الحجاب بالنسبة لها لا يشير بالضرورة إلى الدين، بل تراه مريحا وقت البرد وتزيله ساعة الحر، وهو يناسب سنها ويقربها من جذورها.

أما صفية (37 عاما) البائعة في باريس فتقول إن الجدل حول الحجاب هو الذي شجعها على ارتدائه “أعتقد أنه من الشجاعة أن تكون أمام المجتمع وأنت تمارس حريتك. لم أكن أرغب حقا في أن ينظر إلي في الشارع على أنني جسد. أردت أن أحمي نفسي من المنحرفين في المترو. وقد لاحظت أنني أصبحت أكثر احتراما بالنسبة لمن يقترب مني. لا أحد ينظر إلي على أنني امرأة متاع”.

وتضيف صفية “عندما بدأت أرتدي الحجاب لم يصدق زوجي ذلك. لقد كان محرجا بعض الشيء، وفي الشارع كان يمشي خلفي مترين”، وأكدت أنه ليست لديها مخاوف، وأن الحجاب لا يمنعنها من تحقيق مبيعات كبيرة.

تمييز على الشبكات
وجاء في حديث إيناس (21 عاما) -وهي من عائلة مسلمة تقطن شمالي فرنسا- أنها في الحياة اليومية لا ترى ما يلفت الانتباه، ولكنها تشعر بالتمييز بشكل خاص على الشبكات الاجتماعية.

وأشارت إلى أن الجميع يشاهد صعود اليمين المتطرف، وأن الجميع يعلن بصوت عال وواضح أنه عنصري والمرأة المسلمة “مستعبدة”، مما يعني “سلب إرادتنا الحرة والتقليل من شأنها لدرجة شبيهة بحالة الأشياء”.

وخلصت إيناس إلى أن هناك نقطة يجب التمسك بها وهي أن ارتداء الحجاب ليس من أجل الاستفزاز، مضيفة أن الحوار يمكن أن يكون مفيدا.

وقبل أن تختم، قالت مستشهدة “أتذكر محادثة مع امرأة تطلب الاعتذار عن الهجمات الإرهابية، قلت لها إنه ليس علينا أن نعتذر عن أشخاص دنسوا ديننا. نحن ندين عملهم تماما. وكانت تلك السيدة راضية عن إجابتي، مما يعني أن الحوار ممكن، لكن ليس مع الجميع”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *