علي سعادة
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

عن الأب.. أرجوكم لا تبكوا

علي سعادة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

قبل عام تقريبا كنت قد وصلت إلى مرحلة التعب من الكتابة وعدم جدواها، وتسيد “الكتبة” المشهد، وكنت سأتوقف عنها، رغم أن مصدر دخلي الوحيد هو من الكتابة، وكنت سأسعى إلى عمل آخر. 

لكن في تلك الليلة لم أستطع النوم، أمضيت معظم الليل وأنا أتقلب في الفراش. 

لا أعي تماما ما الذي حدث معي في لحظة لا زلت أذكر تفاصيلها حتى اليوم، ولا أعرف بالضبط إن كنت نائما أم يقظا في تلك الإضاءة من السكينة، كان أبي، رحمه الله، قد دخل الغرفة على نحو غير متوقع، كان في هيئة جميلة ومريحة جدا، كانت ترتسم على وجهه الأشقر وخدوده المتوردة وشعره الأبيض ابتسامة أقرب إلى الضحكة الخجولة، قال لي كلمتين ومضى: ضلك اُكْتب. 

لا أعرف كيف قمت مسرعًا من نومي، وأردت أن أحضنه وأقبل رأسه، وأن أقول له: لا أنسى طيبة قلبك وكرمك وخوفك علينا، شكرا لأنك كنت الأمان، كنت سأقول له بأنني لم أنسَ لحظة واحدة حين أعطيتك أول كتاب لي، كيف كدت تبكي، وكيف ركضت بفرح وعفوية لإبلاغ من تعرفهم عن كتابي، كنت سأشكره لأنه كان حنونًا على أمي وعلى بناته وشقيقاته ووالديه، لكنه مضى في طريقه نحو النور. 

ربما لم تكن تملك القدرة على إعطائنا كل شيء، لكنك بلا تردد منحتنا كل ما تملك، كل ما في جيبك كان لنا، ورغم كلامك القليل، لكن عيناك كانتا تضيئان هذا الكون. 

قال لي صديقي الكاتب والصحفي عبد الرحمن نجم حين حدثتُه عما جرى، بعد أن قلت له إنني إذا كتبتُ عن أبي سأبكي: “لا تبكِ أنت، بل دع القلم يَبْكيه عنك؛ فهو أغزر دمعاً من عينك، اُسكب دموعك في أواني ألفاظك وتعبيراتك”، وتذكرنا معًا قول ابن المقفع: “القلم بريد القلب؛ يُخبر بالخبر، وينظر بلا نظر”. 

لم أكن أحب الكتابة عن نفسي في موضع شخصي تمامًا، لكني أحسست للحظة أنني أكتب عن كل أب، عن كل واحد فينا، رحم الله الأموات منهم، وأطال في أعمار الأحياء منهم.  

الأب ذلك الذي تَسألُه نجمتين فيعود إليك حاملًا السماء، هو أول حبيب في حياة البنت، وأول صديق في حياة الابن، يقال إنه تعريف مطلق لحب غير مشروط وبلا حدود. 

إذا كنتَ أبًا، أرجوك أنفق كل مالك على أسرتك، فالأب يجب أن يكون كريمًا على أهل بيته، أهم صفة في الأب هي الكرم؛ لأنه يعني أنك كريم بأخلاقك ومعاملتك ومشاعرك وحبك. 

الحالة الوحيدة التي يسمح فيها بالتلصص على أبنائك وبناتك هي تفقد محفظته/محفظتها، استغل فرصة وجوده في الحمام أو نائمًا، افتح المحفظة وتأكد أنه يوجد فيها ما يكفيه/ ما يكفيها من مصروف، بعض الأبناء والبنات يتعففون؛ خشية أن يُحرجوا الأب بهم ظروفه المادية، ضع دخانك وأرجيلتك ولعبة الشدة والسهر حتى منصف الليل في آخر أولوياتك.  

داعب أولادك وبناتك، اُحضنهم وقبلهم قدر استطاعتك، لا تخجل من ذلك، هم يحبونك حين تُقبلهم، لكنهم يخجلون منك، واذهب معهم إلى أي مكان: المطعم لمشاهدة مباراة، إلى حديقة عامة، موقع أثري، إلى البحر، إلى سوق البالة، إلى وسط البلد، تحدث معهم باستمرار، أرجوك لا تُسمعهم كلمة تحرجهم أو تقلل من شأنهم، كن رجلًا شرسًا في الدفاع عن أمنهم ورزقهم. 

الأب قد يكون قاسيًا في كلامه، قد يكون قليل الكلام، قد يكون متعبًا، لكنه أب بأفعاله، حين تحتاجه ستجده أمامك كجبل يعاند الريح. 

كأنَّ أبي لا يزال يقف على باب الغرفة ينتظر الجواب، كم كنتَ رجلًا كريمًا!  

نحن بقايا عطرك: أنت وأمي.

السبيل

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts