“فتاة مستشفى الجامعة” تفجر الجدل مجددًا.. من المسؤول عن جرائم العنف الأسري؟

المحامية والحقوقية هالة عاهد لـ “البوصلة”:

– مشاكل العنف الأسري ليست فرصة لتسجيل المواقف ولكن للتأشير على الخلل

– الدولة تتحمّل المسؤولية الأكبر في جرائم العنف الأسري وغياب “التشريعات الحمائية”

– أطالب بقانون حماية أسرية فعال للتدخل المبكر جدًا لمنع تفاقم المشاكل الأسرية

أستاذ الشريعة الإسلامية د. أحمد الشحروري لـ “البوصلة”:

– من يحمّلون الإسلام مسؤولية جرائم العنف الأسري “متصيدون في الماء العكر”

– مشاكلنا الأسرية يقف وراءها بعدنا عن المنهج الإسلامي السمح

– الإسلام بريء ممّن ينتهكون حقوق المرأة في المجتمع

عمّان – البوصلة

أثارت جريمة “فتاة مستشفى الجامعة” الجدل مجددًا حول جرائم العنف الأسري، ومن يتحمّل المسؤولية الأكبر للوقوف في وجه هذه الانتهاكات وتقديم الحماية اللازم لأفراد المجتمع والدفاع عن حقوقهم وخاصة المرأة وما تتعرض له من أذى تقف أمامه القوانين والأنظمة وثقافة المجتمع عاجزًا في أحيانٍ ومبررًا أو متهاونًا في حق الجاني في أحيانٍ أخرى.

“البوصلة” تواصلت مع خبراء حقوقيين وأكاديميين مختصين في قانون الأحوال الشخصية للوقوف على المشكلة وأسبابها وكيفية حماية المجتمع وأفراده من جرائم العنف المجتمعي والأسري وخاصة المرأة وعدم الانتظار لحين انكشاف هذه الجرائم للإعلام حتى تستحق الاهتمام اللازم من الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق طالب المختصون بضرورة أن تتحرك الدولة لوضع أنظمة وقوانين حمائية للأسرة وأفرادها من العنف، مع إيجاد آليات تدخل سريع وفعال لمنع تفاقم المشاكل الأسرية ووضع برامج إعادة تأهيل من يرتكبون جرائم العنف داخل الأسرة.

كما عبروا عن رفضهم لاتخاذ قضايا العنف المجتمعي كفرصة للتصيد في الماء العكر وتسجيل النقاط بين أطراف المجتمع والدولة؛ بل أخذها كمؤشر لكشف مواطن الخلل وتقديم الحلول اللازمة لها، مشددين في الوقت ذاته على أن الإسلام وأحكامه السمحة جاءت لحماية الأسرة وتعزيز أواصرها وإدامة علاقات الحب والاحترام بين أفرادها جميعًا وأن الإسلام بريء من كل فعلٍ يرتكبه بعض الأفراد فيه امتهانٌ أو انتقاصٌ من حقوق المرأة في المجتمع.

فرصة لكشف مواطن الخلل في المجتمع والأسرة

أكدت المحامية والحقوقية هالة عاهد في تصريحاتها إلى “البوصلة” أنّ المسؤولية الأخلاقية تجاه جريمة “فتاة مستشفى الجامعة” يتحمّلها الجميع ولا يجوز إلقاء اللائمة على طرفٍ دون الآخر، مشددة في الوقت ذاته على أن الدولة يجب أن تتحمّل مسؤوليتها تجاه حماية جميع مواطنيها من العنف الأسري والمجتمعي عبر تشريعات وقوانين باعتبارها أداة التغيير المجتمعي الحقيقي.

وعبّرت عاهد عن أسفها على الاهتمام المجتمعي والحكومي المتأخر تجاه قضايا “العنف الأسري” فيما يصل منه للإعلام فقط، فيما هناك العديد من القضايا الأخرى المخفية التي لا تصل إلى الإعلام لأن العنف لم يصل لدرجة قتل المرأة أو فقدانها الوعي مثل فتاة مستشفى الجامعة.

وشددت على أن المشكلات التي تحصل اليوم في مجتمعنا ليست فرصة لتسجيل المواقف ولكنها يجب أن تكون فرصة للتأشير أين الخلل.

وألقت المحامية والحقوقية باللائمة على التشريعات التي تضعها الدولة؛ لا سيما وأن العبرة في القانون رغم أنه لوحده ليس كافيًا، ولكن باعتباره أحد أدوات التغيير المجتمعي.

وأضافت: إذا كان لديّ تشريعات تعترف بأن العنف ضد النساء والعنف داخل الأسرة هو جريمة وليست مجرد نزاع عائلي يمكن حله وديًا دون تدخل أو اعتباره شأن خاص لا يحق لأحد التدخل فيه، أو إيجاد مبررات له أو مبررات لبعض أفعال العنف داخل الأسرة بصفتها شكلًا من أشكال التأديب أو القوامة أو ضبط السلوك، وبغير ذلك ستستمر المشاكل.

كما أشارت إلى مسألة أخرى مهمة متصلة بالتشريع بشكلٍ وثيق تتمثل في أن يكون هناك سياسات وأنظمة حماية تتماشى مع هذا التشريع، مشددة في الوقت ذاته على أنه: “لا يكفي أن يكون لدي تشريع يضع عقوبات مشددة، فالفكرة ليست بالحبس فقط ولكن بالاعتراف بأنّ ما يقع جريمة داخل الأسر”.

وقالت: المهم أن يكون لدينا آليات تدخل سريعة فعالة وقادرة على الحماية وقادرة على إنصاف الضحايا، منوهة إلى أن هذه السياسات يجب أن تتضمنها دور الرعاية والإيواء وأوامر الحماية وآليات تلقي الشكاوى وآلية المساعدة القانونية وآلية الوصول للمحاكم وتحصيل الحقوق، وهي منظومة مرتبطة مع بعضها البعض.

واستدركت بالقول: عندما ننجز هذه المشاكل يمكن أن نلقي باللائمة على ثقافة المجتمع وأنها ثقافة عنيفة بطبعها أو لا.

وقالت عاهد: مجتمعنا ليس متخلفًا ولا نتهمه بأنه يود أن يميز ضد المرأة رغم أن ممارساته تمييزية ضد النساء وضد الأطفال، ولكن سبب ما يجري اليوم أن التشريعات تعطي صلاحيات داخل الأسر، وهناك تسامح مع صلاحيات الزوج والأخ والأب بأن يمارس سلطاته بشكل من أشكال العنف، وثقافتنا مع الأسف أصبحت متسامحة مع فكرة العنف إن وقع على النساء وتخلق له المبررات.

وتابعت المحامية والحقوقية حديثها بالقول: اليوم نتساءل لماذا من السهل أن يتم القبض على أي شخص يكتب “بوست” على فيسبوك وملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية وتوقيفه ورفض الإفراج عنه سواء كان صحفيا أو مواطنا أو معلما، بينما شخص يضرب أخته ويضعها في غيبوبة منذ فترة طويلة ويتم الإفراج عنه بوصف القضية إيذاء بسيط يمكن حله.

وشددت على ضرورة أن يتماشى التشريع مع الإجراءات، مؤكدة أنه لا يجوز أن يكون هناك تشريع صارم ثم تأتي حماية الأسرة لتمارس ضغط على النساء بعدم تقديم الشكاوى، أو أن لا يكون هناك إجراءات لحمايتها عند تقديمها للشكوى، أو أن لا تكون الإجراءات فعالة.

وعلى الرغم من تشددها في ضرورة وجود عقوبات مشددة في قضايا العنف الأسري خاصة ما يصل فيها إلى جرائم القتل والأذى الشديد؛ إلا أن عاهد عبرت عن خشيتها من أن تشديد أحكام الحبس في بعض القضايا ربما يؤدي إلى أن الضحايا لا يتقدمن بشكاوى خاصة إن تعلق الأمر بإمكانية حبس معيل الأسرة.

وتساءلت عاهد: لو أن امرأة ضربها زوجها واشتكت عليه وتم حبسه، من سيقوم بالإنفاق على الأسرة؟ وإن قامت الفتاة بحبس أخيها ربما يصبح الأب معنفا للفتاة وربما أمّها تمارس هذا السلوك ضدها.

ولما سبق ترى عاهد أن على الحكومة وضع إجراءات تتجنّب تعميق مشاكل الأسرة من خلال التدخل على سبيل المثال عبر عقوبات مجتمعية نص عليها قانون الحماية من العنف الأسري.

ونوهت إلى أن العنف الأسري لا يحدث فجأة، وتتعرض الفتاة للتعنيف بشكل يومي وربما على تفاصيل أقل من هذه، وربما لم تكن تضرب وربما كانت تضرب باليد أو يشد شعرها أو تمنع من الخروج للجامعة أو ربما كانت تمنع من استخدام الهاتف على أنها شكل من أشكال التأديب والقوامة وممارسة الولاية.

واستدركت: لو كان لدينا تدخل سريع في هذا الخطأ عبر تعليم المعنف وإخضاعه لبرامج إعادة تأهيل لتعليمه كيف يسيطر على غضبه، سنسهم بحل المشاكل الأسرية، مؤكدة على ضرورة  النظر للجناة قبل الحكم عليهم، فصحيحٌ أنه ارتكب جريمة بشعة لكنه يمكن أن يكون شخصا لا يملك قدرة السيطرة على الغضب، فإن قمنا بحبسه وليس لدينا برامج لإعادة تأهيله، سنعمّق مشكلته.

وتابعت بالقول: نريد من البداية أن يكون لمثل هؤلاء برامج إعادة تأهيل، فيدخل في خدمة من خلال مؤسسات المجتمع المدني ويتعلم على سبيل المثال كيف يحترم النساء، ويكون التأهيل عبر نظرة شاملة للمشكلة دون تطبيق قانون العقوبات مباشرة عليهم.

قانون خاص للحماية

وقالت عاهد: لذلك نطالب بقانون خاص للحماية من العنف الأسري، فمن جهة يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الأسر، ولا يأتي بهدف منع النساء من تقديم شكاوى، ولكن يمنح خصوصية لحل الموضوع داخل إطار الأسرة دون تفاقم المشاكل وتحقيق التدخل المباشر دون أن تصل لإيقاع قانون العقوبات.

وشددت على أن الأهم اليوم أن يكون هناك قانون حماية من العنف الأسري أكثر فعالية يأخذ بعين الاعتبار التدخل المبكر جدًا وليس الهدف منه الحبس، مستدركة في الوقت ذاته: ولكن عندما تكون الجريمة بهذه البشاعة ليس من المقبول إسقاط الحق الشخصي، لأنه يعني تعارض بين مصلحة الضحية ومصلحة الجاني، فكيف يكون الأب معنفا والأخ معنفًا، ثم يأتي الأب ليسقط الحق الشخصي فهذا استهتار بحق الضحية.

الدولة الملام الأول بحوادث العنف

وحول الجهة الملامة والتي تتحمّل المسؤولية الأكبر بحوادث العنف المجتمعي وتفاقمها، قالت عاهد في تصريحاتها إلى “البوصلة”: لا أستطيع سوى توجيه اللوم إلى الدولة التي تمارس الأبوية المتسلطة غير المحببة ضد مواطنيها”،  مؤكدة: “لا نستطيع فصل العنف داخل الأسر عن العنف الذي يحدث في المجتمع على مستوى سياسي واقتصادي وغيره”.

وشددت المحامية والحقوقية على أن إفرازات سياسات الدولة أحد نتائجها وثمارها ازدياد حدة العنف المجتمعي، قائلة: “وهنا لا أستطيع سوى أن أوجه اللوم للدولة لسبيين أن عليها مسؤولية أن تعترف بأن هذا العنف جريمة، وأن يكون لديها أدوات، سواء كانت تشريعية أو سياساتية وحمائية من هذه الجرائم”.

وتختم عاهد حديثها بالقول: الدولة لا تعترف بالعنف إلا إذا وجه ضدها، وهي الملومة بالدرجة الأولى، لأنها ليس لديها اعتراف حقيقي وليس لديها خدمات تقدمها تجاه العنف الأسري، مشددة في الوقت ذاته على أنه: “عندما يسود القانون أولا ثم نتحدث عن فكرة الثقافة المجتمعية وإلقاء اللوم عليها، ماذا فعلت الدولة اليوم في قضايا احترام النساء وعنف المدارس، وأين الخدمات لرعاية المعنفات من نساء وأطفال وخدمات الدولة المقدمة لإعادة تأهيل المعنفين”.

من المسؤول الحقيقي عن جرائم العنف الأسري؟

بدوره، أكد أستاذ الشريعة في جامعة الزيتونة الأردنية الدكتور أحمد الشحروري في تصريحاته إلى “البوصلة” أن المدان الحقيقي في جريمة “ابنة مستشفى الجامعة الأردنية” وغيرها من جرائم العنف الأسري، هو بعدنا عن المنهج الإسلامي السمح الذي رسخ أحكامًا للمعاملات تعلي من قيمة الأسرة المسلمة الملتزمة وتزيد من ترابط أفرادها وحبهم لبعضهم البعض حتى تصبح الأسرة كالجسد الواحد.

وعبّر الشحروري عن أسفه للاتهامات التي يتم إطلاقها من بعض الجهات المشبوهة لتحميل الإسلام وأحكامه مسؤولية مثل هذه الجرائم والإسلام منها بريء، واصفًا هؤلاء بأنهم “متصيدون في الماء العكر”، بهدف اتهام النظام الإسلامي بأنه “أبوي سلطوي” لا تأمن فيه المرأة على نفسها داخل أسرتها.

وشدد على أن كثيرًا من الجرائم سببها البعد عن منهج الله، مؤكدًا بالقول: “بدأنا نرى تغولاً في المجتمع وتهتكا في أصول الأسرة الإسلامية التي أرادها الله سترًا وغطاءً كريمًا للمجتمعات المسلمة جميعًا”.

وتساءل لماذا كلما حصلت في المجتمع مصيبة يتم اتهام الإسلام، موضحًا: “تريد من الإسلام أن يحل مشكلاتك ويسعد أسرتك وأن ينشر العدل ويحكم الشورى وأن يزوج العزاب وأن يوظف العاطلين عن العمل، فهل بيد الإسلام المبعد عن الحياة الاجتماعية عصا سحرية؟

وشدد على أن “هذه قسمة غير عادلة، بأن يتم إبعاد الإسلام عن واقع الحياة ثم يريدونه اليوم أن يحمل مشكلاتكم والإسلام لا يعرف الترقيع فالإسلام إمّا أن تحكمه كله أو تدعه كله”.

وأشار إلى أن المسؤول عن غياب الانضباط الأسري ليس الإسلام؛ لأن الإسلام دلّ الزوج كيف يختار زوجته وكيف يتعامل معها وكيف يتعامل الزوجان مع الأولاد، ومبني على قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهنّ إلا لئيم”، والإسلام يقول لك حق على أبنائك أن يطيعوك لكن لهم عليك حق أن تبرهم قبل أن يبروك أن تحسن تسميتهم واختيار امهم وأن تحسن تربيتهم وتعليمهم.

وقال الشحروري إن المسؤول عن تربية أي إنسان يعامل أخته أو أمه أو أي امرأة بهذا الشكل المهين والمذل برامج كثيرة في الإذاعات والتلفزيونات ومسؤول عن تربيته هدير مجتمع بأكمله أصبح مجتمعا يقيم وزنا للمادة والمال أكثر من إقامته وزنا للفضيلة والخلق.

وتابع، إن المسؤول عن تربية هذا الإنسان غير السوي مناهج تعليم فقيرة في التربية، ومناهج إعلام فقيرة في التوجيه، المسؤول عن توجيه هذا الإنسان أباء ما عادوا من أسف ينهلون من روح الإسلام في توجيه أبنائهم وتربيتهم.

وأضاف الشحروري: “من المسؤول عن ظلم المرأة في ميراثها، هل الإسلام هو المسؤول؟ أليس نظام الميراث مذكورًا بتفاصيله في القرآن، ومع ذلك ما زال هناك آباء يحرمون بناتهم ويعطون الذكور، وما زال هناك كثير من الآباء يجورون بتوزيع المواريث، وهي أحكام واضحة لا تغيب عن بال الطفل المسلم فكيف تغيب عن بال الكبير”.

وشدد على أن الذي يعذب أخته ويمنع نجدتها إنسانٌ لم يتربى تربية حقيقية في ظل أسرة؛ بل لديه الكثير من التلوث الفكري والإسلام من مثل هذه النماذج بريء.

وحذر الشحروري في ختام حديثه من جهات مشبوهة  تستغل مثل هذه الحوادث لتحاول العبث بقانون الأحوال الشخصية مجددًا، حتى تخسر الأمة آخر حصونها المتمثل بالأسرة الملتزمة المحكومة بشرع الله.

(البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *