مئات السجناء يدفعون ثمن التوتر بين باكستان والهند

مئات السجناء يدفعون ثمن التوتر بين باكستان والهند

كاد المواطن الباكستاني محمد غولزار، أن يفقد الأمل في رؤية والده البالغ من العمر 70 عاما، والذي اختفى في الهند بعد ساعات من تبرئة محكمة عليا له في قضية إرهابية عام 2019.

ولكن في الأسبوع الماضي، تلقى غولزار (40 عاما) مكالمة هاتفية من صحفي هندي أبلغه فيها أن والده موجود حاليا في مركز للشرطة بولاية أوتار براديش، شمالي الهند، رغم حكم براءته.

** مأساة عمرها 22 سنة

وفي حديثة للأناضول، قال غولزار، إن والده، محمد واريس، ألقي القبض عليه عام 2000 في مدينة شاملي بولاية أوتار براديش، أكثر الولايات الهندية اكتظاظا بالسكان، عندما كان ذاهبا لرؤية “صديق قديم”.

ولكن الشرطة الهندية زعمت أنها عثرت على “بنادق وقنابل يدوية” بحوزته أثناء مداهمتها لمنزل صديقه الذي كان يقيم فيه.

وتم حجز واريس، مع صديقه أشفق ناندي، و3 أشخاص آخرين من منطقة وزير أباد بمقاطعة البنجاب شمال شرقي باكستان، بتهم تتعلق بالإرهاب، وفقا لصحيفة “ذا تايمز أوف أنديا” اليومية الهندية.

وزعمت الشرطة أنها وجدت صِلات بين واريس و”جيش محمد”، وهي جماعة متشددة محظورة يُلقى باللوم عليها في هجوم مومباي المميت عام 2008، كما تم حجزه بموجب “قانون الأجانب”.

وبعد عملية قضائية طويلة ومرهقة استمرت 17 عاما، واصل خلالها واريس الدفاع عن براءته، وأصدرت محكمة ابتدائية في 2017 عليه حكما بالسجن المؤبد في قضية الإرهاب، وثلاث سنوات بموجب قانون الأجانب.

ومع ذلك، فإن محكمة “الله أباد” العليا، التي وجدت “تناقضات هيكلية صارخة” من جانب الادعاء، ألغت إدانته في قضية الإرهاب، لكنها أيّدت الحكم الخاص بالسجن ثلاث سنوات بموجب قانون الأجانب.

وبعد قضاء 19 عاما في السجن، تم إطلاق سراح واريس، في ديسمبر/كانون الأول 2019، وفقا للصحيفة.

وقال غولزار، الذي كان يبلغ 19 عاما فقط عندما تم القبض على والده، إنه فقدَ الاتصال به في 2017، وإنه علم ببراءته من خلال قُصاصة صحيفة أرسلها له صديقه الهندي في 2019.

** محنة بلا نهاية

وبعد تبرئة والده، قال غولزار: “ظننا أن ذلك نهاية لمحنة طويلة، لكننا كنا مخطئين. لقد اختفى ببساطة، ولم نكن نعرف مكانه حتى تلقي هذه المكالمة الهاتفية”.

يتنقل غولزار، الذي يعمل في صناعة أدوات المائدة التي تشتهر بها مدينة وزير أباد الباكستانية عالميا، بين وزارتي الداخلية والخارجية، طالبا لمساعدتهما في عودة والده.

وبحسب وسائل إعلام هندية، فإن واريس الذي يخضع حاليا للمراقبة على مدار الساعة في مركز شرطة بابري بمدينة شاملي الهندية، لا يمكن ترحيله إلى وطنه، لأن الحكومة الباكستانية رفضت الاعتراف به كمواطن لها.

وفي رده على هذا الادعاء، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية عاصم افتخار، إنه تم تأكيد جنسية وارس “منذ فترة طويلة” في 2005.

وقال افتخار، للأناضول: “تخاطب البعثة الباكستانية باستمرار وزارة الشؤون الخارجية الهندية بشأن إعادته (وارس) إلى الوطن”، مبينا أن الادعاء بأن باكستان رفضت قبول السجين “غير صحيح”.

ولا يختلف الوضع بالنسبة للمواطن الهندي نانجي راجا (45 عاما)، من ولاية “غوجارات” الغربية، الذي يقبع حاليا في سجن بالعاصمة التجارية الباكستانية كراتشي.

وقالت مامتا جاغديش، ابنة نانجي راجا، للأناضول، إن والدها، الصياد، مسجون في باكستان منذ عام 2018.

وأضافت: “إنها سنته الخامسة في السجن، كان ذلك خلال مهرجان ديوالي الهندوسي في ذلك العام، عندما ذهب مع آخرين للصيد الروتيني، ولكن تم القبض عليه من قبل وكالات الأمن الباكستانية”.

وأردفت جاغديش: “والدي صياد بسيط، نحن ننتظر الإفراج عنه، ونطلب من الحكومة (الباكستانية) إطلاق سراحه. الأسرة بأكملها تعاني بسبب اعتقاله”.

وأوضحت أن الأسرة ليس لديها أي معلومات عما إذا كان نانجي، أكمل عقوبته أم لا.

وتقول جاغديش، إنهم لا يتلقون رسائل من والدها، “باستثناء مرة واحدة فقط، عندما أرسل رسالة عبر صياد كتب فيها فقط أنه بخير”.

** اتهامات متبادلة

تقدم غولزار، الذي تلقى سبع رسائل فقط من والده المسجون خلال الـ 21 عاما الماضية، عدة مرات للحصول على تأشيرة هندية لرؤية والده، مبينا أنه في كل مرة كان طلبه يُرفض بذريعة أنه “ليس لديه راعٍ في الهند”.

وطالب غولزار، رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الخارجية بيلاوال بوتو زرداري، مساعدته في عودة والده.

وغالبا ما تعتقل الجارتان النوويتان مواطني بعضهما البعض بتهم مختلفة، منها التجسس، كما أن العلاقات المتوترة بين الجارتين تُبقي السجناء في السجن لفترات أطول.

وفي بعض الحالات، يستمرون في البقاء في السجون حتى بعد أن يقضوا مدة عقوبتهم، لدرجة أن العديد منهم إما قُتلوا أو ماتوا أثناء الحجز.

ويدفع الصيادون من الجانبين، منذ فترة طويلة، ثمنا باهظا للعلاقات المشحونة بين الجارتين.

وغالبا ما يقوم كلا البلدين باعتقال الصيادين لانتهاكهم المياه البحرية لبعضهم البعض، بسبب الحدود المائية الضعيفة والقوارب غير المجهزة، التي تفتقر إلى التكنولوجيا لتحديد المواقع بدقة.

وبموجب اتفاقية “الوصول القنصلي” لعام 2008، يتبادل البلدان قائمة السجناء في الأول من يناير/ كانون الثاني والأول من يوليو/ تموز من كل عام.

وفي الوقت الحالي، يقبع 652 صيادا هنديا، و51 مدنيا في السجون الباكستانية، في حين يقبع 282 مدنيا باكستانيا، و75 صيادا، في السجون الهندية.

وفي عام 2018، اتفقت نيودلهي وإسلام أباد على إحياء لجنة قضائية مشتركة بشأن السجناء تتألف من أربعة قضاة متقاعدين من القضاء الأعلى من كل بلد.

ورشحت الهند أعضاءها الأربعة، فيما لم ترشح باكستان أعضاءها بعد، وفقا لجاتين ديساي، الأمين العام السابق لـ”منتدى الشعوب الباكستانية الهندية للسلام والديمقراطية”، وهي مجموعة من نشطاء السلام من كلا البلدين تتعامل مع قضايا السجناء.

واعتادت اللجنة التي تم تشكيلها في يناير 2008، على الاجتماع مرتين في العام، مرة في الهند ومرة ​​في باكستان، حتى أكتوبر/تشرين الأول 2013، ولكن منذ ذلك الحين، لم يُعقد أي اجتماع بعد تصاعد التوترات الدبلوماسية بين الجانبين.

وتضمنت توصيات اللجنة “بالإجماع” إطلاق سراح الصيادين والنساء والصبيان والمعاقين ذهنيا.

وقال ديساي، للأناضول، إن أكثر من نصف الصيادين الهنود المسجونين أتموا عقوباتهم بالفعل.

** العائلات تعاني

تنص اتفاقية “الوصول القنصلي”، على أنه إذا تم القبض على بعض الهنود أو الباكستانيين في بلد بعضهم البعض، فيجب توفير الوصول إلى القنصلية في غضون ثلاثة أشهر من الاعتقال.

ومع ذلك، فإن الاتفاقية تحتوي على ثغرة عدم وجود حد زمني معين لتأكيد جنسية المحتجزين.

وقال ديساي: “لطالما طالبنا بألا يتجاوز الموعد النهائي لتأكيد جنسية السجين ثلاثة أشهر”.

وأضاف أن “العديد من السجناء من كلا البلدين أتموا عقوباتهم، لكن لا يمكن إعادتهم إلى أوطانهم حتى تؤكد دولتهم جنسيتهم”.

وشدد على ضرورة الإحياء “الفوري” للجنة القضائية الهندية الباكستانية الخاصة بالسجناء.

ودعا الأمين العام السابق لـ”منتدى الشعوب الباكستانية الهندية للسلام والديمقراطية”، إسلام أباد لترشيح قُضاتها الأربعة.

وأوضح ديساي، أن أعضاء اللجنة اعتادوا على السفر إلى الهند وباكستان مرة في العام، حيث يقابلون خلال زياراتهم عدداً من السجناء، مؤكداً أن مثل هذه الأمور تساعد السجناء على شرح قضاياهم بشكل أفضل لقضاة بلادهم.

ويرى سيد كمال شاه، رئيس “منتدى الصيد الشعبي الباكستاني”، وهي منظمة غير حكومية تعمل من أجل رفاهية الصيادين، أنه لا ينبغي اعتقال الصيادين الذين يدخلون المياه الإقليمية عن طريق الخطأ.

وقال شاه في تصريحات للأناضول: “يجب أن يتلقوا (الصيادون) تحذيرا من قبل وكالات الأمن البحري المعنية، ويطلب منهم العودة لأنهم لا يتجاوزون (المياه الإقليمية للبلدين) عن قصد”.

وأشار إلى أن “الصيادين الفقراء (من كلا الجانبين) يصابون بالوهن في السجون، وأن عائلاتهم في أرض الوطن تعاني نفسياً ومالياً”.

وحث الحكومتين على النظر إلى هذه القضية “الحاسمة” من منظور إنساني بدلاً من السياسي.

الاناضول

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: