حسن نافعة
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

معركة رفح لن تحسم الحرب لصالح الكيان الصهيوني

حسن نافعة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

حسم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أمره أخيراً، وقرّر اجتياح مدينة رفح، ضارباً بذلك عرض الحائط كلّ النصائح التي قُدّمت له من أطراف عديدة، عالمية وإقليمية، محذّرة إياه من المقامرة بخطوةٍ على هذا القدر من الخطورة. ظاهرياً، تبدو هذه النصائح مدفوعة بعوامل إنسانية بحتة، فرفح مدينة صغيرة يتكدّس فيها ما يقارب مليوناً ونصف مليون من البشر، انسدّت أمامهم كلّ طرق النجاة، ولم يعد لديهم أماكن أخرى يمكن النزوح إليها، ما يعرّض مئات آلافٍ منهم لمخاطر جسيمة. أمّا باطنياً، فتبدو هذه النصائح والتحذيرات مدفوعةً باعتباراتٍ أخرى، تتعلّق بالحرص على سمعة إسرائيل ومستقبلها، أكثر ممّا تتعلّق بالحرص على حياة الفلسطينيين وكرامتهم. صحيحٌ أنّ التكلفة الإنسانية لاجتياح مدينة مكّتظة بهذا الكمّ الهائل من البشر قد تكون أكبر ممّا يمكن للضمير الإنساني أن يتحملّه، غير أنّ الأطراف الحليفة للكيان الصهيوني، وفي مقدّمتها إدارة بايدن، تبدو معنية باستئصال حركة حماس نهائياً من معادلة السياسة والحكم في المنطقة بأكثر من عنايتها بأرواح الفلسطينيين، إذ كان يمكن لها تجنّب وقوع الكمّ الضخم من الخسائر في الأرواح، لو أنّها لم تزوّد، منذ البداية، الكيان الصهيوني بقنابل غير موجّهة تزن الواحدة منها طنّاً أو أكثر. لذا، يمكن القول إنّ اعتراض إدارة بايدن على اجتياح مدينة رفح جاء، على الأرجح، لأسبابٍ تتعلّق باحتمالات فشله، وعدم التأكّد من قدرته على تحقيق الأهداف المرّجوة منه، فلو أنّها كانت على يقينٍ من أنّ هذا الاجتياح سيؤدّي فعلاً إلى القضاء التام على “حماس”، لما تردّدت مطلقاً في تأييده ودعمه، بصرف النظر عن أيّ خسائرَ بشريةٍ متوقّعة في صفوف المدنيين الفلسطينيين.

يرى نتنياهو أنّ لديه أسباباً تُحتّم عليه القيام باجتياح رفح، فقد صرّح أكثر من مرّة بأنّ جيشه تمكّن من تحطيم العمود الفقري للبنية العسكرية لحركة حماس، التي لم يتبقَ منها سوى أربعة كتائب تتمركز جميعها في منطقة رفح. لذا، يعتقد أنّ من المستحيل إعلان النصر النهائي في معركة “السيوف الحديدية” إلا بالقضاء التام على هذه الكتائب المُتبقّية، خصوصاً أنّها تضمّ معظم القيادات العليا في الجناح العسكري، ويرى أنّ بقاءها سيشكّل مصدر تهديد دائماً، ليس لأمن إسرائيل فحسب، وإنّما لأمن السلطة التي سيعهد إليها تولي مسؤولية إدارة قطاع غزّة عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي منه. بل إنّه ذهب إلى أبعد من ذلك كثيراً حين اتهم كلّ من يعترض على دخول رفح بأنّه لا يريد لإسرائيل أن تنتصر، وبأنه يسعى إلى حرمانها من نصر كامل وشيك. ولتهدئة المخاوف الأميركية، أعلن نتنياهو، فور اتّخاذه قرار الاجتياح، أنّ العمليات العسكرية في رفح ستكون محدودة وعلى مراحل، غير أنّ ما يجري على أرض الواقع يُؤكّد أنّنا إزاء عملية عسكرية كبيرة، وإنْ على مراحل، وأنّ أعداد الفلسطينيين الذين طَلَب منهم الجيش الإسرائيلي مغادرة منازلهم في شرق مدينة رفح بلغ، حتّى كتابة هذه السطور، نحو نصف مليون نسمة. لذا، ألأرجح ألا تتوقف هذه العملية قبل اجتياح منطقة رفح بالكامل، والقضاء التام على أيّ وجود مسلح فيها.

غير أنّ معظم الخبراء العسكريين والسياسيين المُستقلّين، من داخل إسرائيل ومن خارجها، يشكّكون في صحّة هذه الادّعاءات، التي يرون أنّها بنيت على أهواء ومصالح شخصية لا تخدم إلا نتنياهو، فليس صحيحاً أنّ الجيش الإسرائيلي قضى على معظم البنية العسكرية التحتية، أو أنّ ما تبقّى من قوات “حماس” تتمركز في رفح، فكلّ الدلائل تفيد بأنّ “حماس”، ومعها باقي فصائل المقاومة الفلسطينية المسلّحة، لا تزال قادرة على العمل من أيّ مكان في قطاع غزّة، بما في ذلك الأماكن التي يدّعي الجيش الإسرائيلي أنّه يسيطر عليها فعلياً، وقضى فيها على كلّ مقاتلي “حماس”، بل وتمكّنت من إلحاق خسائر فادحة بالجيش الذي لم ينجح في السيطرة الكاملة على أيّ منطقة في القطاع. ويعتقد بعضهم أنّ السبب الوحيد وراء إصرار نتنياهو على اقتحام رفح يكمن في أنّ له مصلحةً شخصيةً مباشرةً في إطالة أمد الحرب، لأنّ توقّفها سيؤدّي إلى تفكّك الحكومة وسقوطها، ناهيك عن المطالبة بتشكيل لجان تحقيق مُستقلّة تبحث في أسباب الفشل الذي مُنيت به الأجهزة السياسية والأمنية والعسكرية، وعجز هذه الأجهزة عن التحسّب والاستعداد لما وقع في 7 أكتوبر (2023)، ثمّ عن التعامل معه لاحقاً بالكفاءة الواجبة. ولأنّ نتنياهو يدرك جيّداً أنّه لن يكون بمقدور الائتلاف الحكومي الحالي الفوز بأغلبية المقاعد في الكنيست في أيّ انتخاباتٍ تشريعيةٍ مُبكّرة تجرى عقب توقّف الحرب، ما يعني أنّه سيفقد حتماً موقعه رئيساً للوزراء، وسيصبح، بالتالي، معرّضاً للملاحقة القضائية، وربما ينتهي به المطاف في السجن، فمن الطبيعي أن يلجأ إلى كلّ الحيل والمناورات التي تساعده في تماسك الائتلاف الحاكم، خصوصاً أنّ أحزاب الصهيونية الدينية كثيراً ما هدّدت بالانسحاب فور توقّف إطلاق النار.

رغم ما تتمتّع به وجهة النظر هذه من وجاهة، إلا أنّها لا تقدّم تفسيراً مقنعاً لمجمل الأسباب التي تدفع نتنياهو إلى الإصرار على مواصلة الحرب، وعلى اجتياح منطقة رفح، فالواقع أنّ أغلبية الناخبين الإسرائيليين، وليس نتنياهو وحده أو الجناح الأكثر تطرّفاً في حكومته، ما زالت تُؤيّد مواصلة الحرب، إلى أن يُقضى نهائياً على المقاومة الفلسطينية المُسلّحة، على الرغم من أنّها لم تعُد تثق بنتنياهو كثيراً، وهو ما تُؤكّده معظم استطلاعات الرأي التي أجريت أخيراً في إسرائيل، فإذا أضفنا، إلى ما تقدّم أنّ النخبة السياسية في إسرائيل تعاني من انقسامات حادّة، وتفتقر إلى أيّ رؤية موحّدة لما ينبغي أن يكون عليه مستقبل الحكم في قطاع غزّة، وأيضاً لكيفية التعامل مع القضية الفلسطينية نفسها عقب توقّف القتال، لتبيّن لنا أنّ المشكلة لا تكمن في نتنياهو وحده أو في الجناح الأكثر تطرّفاً في حكومته، ولكنّها تكمن بصفة خاصة في البنية الحالية للمجتمع الإسرائيلي نفسه، وهي بنية تعكس عُمق المأزق الذي يواجه المشروع الصهيوني في المرحلة الراهنة.

والواقع أنّ معظم فصائل اليمين الحاكم في إسرائيل ترفض عودة السلطة الفلسطينية، حتّى بعد “تجديدها”، إلى إدارة قطاع غزّة عقب توقّف القتال هناك، وتبدو ملتفّةً حول شعار “لا لحماسستان ولا لفتحستان في قطاع غزّة”، وهو شعار صكّه نتنياهو أخيراً. أيّ أنّ معظم شرائح المجتمع الإسرائيلي تحرص مع نتنياهو على أن يظلّ القطاع منفصلاً سياسياً عن الضفة، كي يبقى الشعب الفلسطيني مُشتّتاً على الصعيدين الجغرافي والسياسي. ولأنّها، إجمالاً، ترفض فكرة الدولة الفلسطينية من الأساس، بل وبذلت جهوداً متضافرة طوال العقود الثلاثة الأخيرة لإجهاض الفِكَرِ التي تنادي بإقامة دولة فلسطينية مُستقلّة كافّة، فليس من المُتوقّع أبداً أن تغيّر الآن مواقفها. والأرجح أن يواصل الائتلاف اليميني الحاكم الآن في إسرائيل الجري وراء أوهامه، الساعية إلى “تحقيق النصر المُطلق في معركة غزّة”. فهو يعتقد أنّ النصر في هذه المعركة هو الخطوة الأولى والأساسية على الطريق المُفضي إلى كسبِ الحرب، وكسبُ الحرب لن يتحقّق إلا بتصفية محور المقاومة، بمكوناته كلّها، بما في ذلك إسقاط النظام الإيراني أو على الأقلّ تدمير برنامجه النووي، الذي يعتقد بعضهم أنّه دخل مرحلة حاسمة من شأنها مساعدة إيران على إنتاج قنبلة نووية خلال فترة وجيزة. غير أنّ الجري وراء أوهام من هذا النوع لن يمكّن اليمين الحاكم في إسرائيل من تحقيق أيّ إنجاز، والأرجح أن يُؤدّي إلى تعميق مأزق المشروع الصهيوني إلى أن يبدأ في الانفجار من داخله، فكلّ الدلائل تشير إلى استحالة القضاء على “حماس” عسكرياً، وأنّ الجيش كلّما توغّل في عملية اجتياح رفح عسكرياً، التي يُتوقّع أن تستغرق شهوراً طويلة، انغرست أقدامه عميقاً في رمال غزّة، وتحوّلت المعركة فيها، وفي بقية مدن القطاع، إلى حرب استنزاف طويلة الأمد بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، وإلى حرب تحرير حقيقية بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

يُتوقّع أن يصل مستشار الرئيس بايدن للأمن القومي جيك سوليفان إلى إسرائيل غداً الأحد (19 مايو/ أيار)، في محاولة أخيرة لإقناع حكومة إسرائيليةٍ تبدو في حاجة ماسّة إلى من ينقذها من نفسها بقبول هدنة طويلة الأمد، تسمح بتبادل الأسرى والمُحتجَزين، وفقاً للصيغة الأخيرة التي اقترحها الوسطاء وقبلتها “حماس” أو صيغة قريبة منها، فإدارة بايدن في حاجة ماسّة إلى تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط قبل انتخابات الرئاسة، أمّا حكومة نتنياهو فتبحث عن “نصرٍ مطلق” لن تستطيع أبداً أن تحصل عليه عبر الاجتياح العسكري لمنطقة رفح. وإصرارها على تحقيقه سيدفع المنطقة برمّتها إلى مفترق طرق يتعيّن على إسرائيل عنده أن تختار بين حرب استنزاف مع الفلسطينيين، قد تستمرّ سنوات طويلة، أو حربٍ إقليميةٍ شاملةٍ مع محور المقاومة بقيادة إيران. ستخرج إسرائيل خاسرة في كلتا الحالتين، فهل ينجح سوليفان هذه المرّة في إنقاذ إسرائيل من نفسها؟

(العربي الجديد)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts