مقابر دمشق تغلق أبوابها في وجه الموتى الفقراء

مقابر دمشق تغلق أبوابها في وجه الموتى الفقراء

البوصلة –  بعد بحث مطول ومضني استمر لأكثر من 3 ساعات، قررت عائلة عبد القادر دفن ميتها السبعيني في أرض مزرعة بضواحي العاصمة السورية دمشق.

ورغم السؤال عن قبور شاغرة في 5 مقابر، فلم ينجح أفراد الأسرة بدفن فقيدهم داخل المدينة، واضطروا إلى الخروج إلى مزرعة أحد أقاربهم، التي تبعد عن العاصمة أكثر من 20 كيلومترا، وأتموا مراسم الدفن سريعا قبل حلول المساء واشتداد البرد.

يقول أحمد (37 عاما) -وهو ابن المتوفى- إن الأسرة كانت عازمة على دفن الراحل داخل قبر أخيه المتوفى منذ 5 أعوام، لكن أولاده رفضوا فتح قبر أبيهم وفضلوا المحافظة على حرمته، الأمر الذي دفع العائلة للبحث عن مكان آخر.

ويضيف أحمد -في حديث للجزيرة نت- أنهم تواصلوا مع مكتب دفن الموتى، فأبلغوهم أن المقابر في المدينة ممتلئة، وإن وجد قبر فغالبا يتم شراؤه من سماسرة القبور بمبلغ يتجاوز 15 مليون ليرة سورية (أكثر من 4 آلاف دولار)، وهو مبلغ لا طاقة للأسرة على دفعه.

ويشير أحمد إلى أن الحصول على قبر في داخل مدينة دمشق أصبح حلما لأهالي المتوفى، وإن توفر فيجب أن تكون العائلة ميسورة الحال لتستطيع تحمل نفقات الدفن وشراء القبر.

قبور طابقية

ويصل عدد المقابر في العاصمة السورية دمشق إلى 28 مقبرة، ويبلغ عدد القبور الكلي قرابة 150 ألف قبر، وفقا لمدير مكتب دفن الموتى بدمشق فراس إبراهيم، في تصريح لصحيفة محلية.

وتعد مقابر الشيخ رسلان وباب الصغير والدحداح من أكبر المقابر في العاصمة السورية وأكثرها في أعداد القبور، في حين تضم الأخيرة (الدحداح) رفات أحد الصحابة وفق رواية سكان المدينة، كما دفن فيها شخصيات سياسية من بينهم الرئيس السوري الأسبق حسني الزعيم.

ولرغبة الأهالي في دفن موتاهم في هذه المقابر وارتفاع أعداد الموتى، بدأت محافظة دمشق عام 2017 بمنح ترخيص لإنشاء قبور طابقية لدفن 3 أشخاص، الأمر الذي لم يلق استحسانا من بعض رجال الدين وأهالي المدينة.

ووصف حينها مفتي دمشق عبد الفتاح البزم القبور الطابقية بأنها اعتداء على حرمة الميت، لعدم جواز فتح القبور إلا لضرورة شرعية، وهو ما ردت عليه المحافظة بأن شرعيته تأتي من ندرة القبور وغلاء أسعارها.

سماسرة القبور

ووفق القانون السوري، لا يخضع القبر لعمليات البيع والشراء، وإنما تعود الملكية لوزارة الأوقاف في البلاد، في حين تحدد أحقية الدفن للوفاة الأولى فيه وأسرته، ولا يمكن دفن شخص غريب عن الأسرة ومن غير الورثة الشرعيين.

في حين يسمح القانون بالتنازل عن القبور بين الورثة الشرعيين لها، من دون أن يكون هنالك أي مقابل مادي لقاء التنازل، بدعوى عدم حصول عملية بيع أو اتفاق مالي بين الطرفين.

ومؤخرا، بدأت مظاهر تجاوز القانون تنتشر بكثافة من خلال استضافة ميت من غير العائلة، وتتم هذه الأمور وفق صفقات مالية يتم الاتفاق عليها.

وشجعت رغبة أهالي دمشق في دفن موتاهم داخل أسوار العاصمة ظهور -من بات يطلق عليهم- “سماسرة القبور”، وهي مجموعة من التجار التي تلجأ إلى وسائل غير قانونية لشراء عدد من القبور في دمشق، حيث يقوم المشتري بالحصول على حكم قضائي بملكية القبر بعد تنازل أصحابه عنه، في الوقت الذي تتم فيه عملية البيع والشراء في الخفاء.

ويعمد السماسرة إلى أسلوب آخر يتم فيه التنسيق مع حراس المقابر، لرصد قبور انقطعت عنها الزيارات لمدة طويلة، حيث يتم طمس معالم الشواهد وإزاحة رفات الميت، لبيع القبر على أنه مدفن جديد لأسرة جديدة.

ويقول المحامي والناشط الحقوقي عبد الناصر حوشان إن التهجير القسري الذي تعرض له الشعب السوري وهجرة الآلاف منهم إلى خارج سوريا فتح الباب أمام الانتهازيين من الشبيحة والسماسرة في دمشق، لاستغلال غياب الأهالي وطمس العديد من معالم القبور بالتنسيق مع حراس المقابر وموظفين فاسدين في مكتب دفن الموتى، ليعاد بيعها من جديد.

ويضيف حوشان -في حديث للجزيرة نت- أن المادة (467) من قانون العقوبات السوري تعاقب بالحبس حتى سنتين من قام بهتك حرمة القبور وأقدم قصدا على هدمها أو تحطيمها أو تشويهها، لكن تجار القبور ومن يلوذ بهم لا يعيرون هذه القوانين أدنى اهتمام، بسبب الرشاوى والمال الذي يتقاسمونه مع شركائهم.

الجزيرة نت

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة: