حلمي الأسمر
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

هل يعلنون تركيا دولةً مارقة؟

حلمي الأسمر
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

(1)

امتلأ خطاب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في السنوات الأخيرة، بإيماءات كثيرة يراها خصومه خطيرة، وتفرح قلوب محبيه، ويشعر من يراقبه بأنه ينتقي تعبيراته بعناية شديدة تتسق مع شخصية رجل الدولة الحصيف، الحريص على أن يبقى داخل الصورة التي يرسمها له مستشاروه. ومع هذا، يخرج أحيانا عن “النص”، خصوصا حين يتحدث عن ثلاثة، عبد الفتاح السيسي، إذ وصفه مرة بأنه “قاتل” انقلب على رئيس شرعي منتخب وقتله، وبشار الأسد، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

ربما يكون الاقتباس التالي للرجل أكثر ما أغاظ من يخافونه ويكرهونه في الوقت نفسه، سواء من العرب أو غيرهم. الاقتباس حديث، مستل من سياق أحد خطاباته الكثيرة التي يحرص على أن يوجهها إلى أبناء شعبه، ضمن المناسبات الكثيرة التي يندر أن يمر يوم من دون أن تكون له واحدة منها، وقد ترجمته منصات الأخبار، وساقته باعتباره دليلا على التطلعات “الاستعمارية” لتركيا في بلاد العرب والمسلمين. يقول: “تركيا هي أكبر من تركيا الحالية، يجب أن تعلموا ذلك، لذلك لا يمكن أن نكون محاصرين بـ780 ألف كيلومتر مربع، (هي مساحة تركيا الآن) لأن حدودنا الجسدية والقلبية مختلفة، قد يكون إخواننا في الموصل وكركوك وفي الحسكة وحلب وحمص ومصراتة وسكوبي وجزيرة القرم جميعهم خارج حدودنا الفعلية لكنهم ضمن حدودنا العاطفية وفي قلوبنا، سنتصدّى لأولئك الدين يحاولون تحديد تاريخ تركيا وأمتنا بتسعين عاما (عمر الدولة التركية، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية). سنتخذ كل التدابير، ونعيد النظر في الكتب المدرسية، بداية من التعليم الابتدائي. يجب أن نتخذ كل التدابير لنجمع أمتنا مع ثقافتها وحضارتها وتاريخها”… انتهى الاقتباس، وهو يدخل إلى القاموس السياسي مفاهيم جديدة، عن “الحدود العاطفية”، في إيماءة لا تخطئها العين، ولا القلب، إلى تطلعات الرجل الدفينة، وهي تطلعاتٌ تجد من يحتفي بها، ومن يخافها بالطبع.

تركيا، بعد تمدّد نفوذها عسكريا شمالي سورية والعراق، وشرق المتوسط، والانتصار لحكومة 

أدرجت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تركيا ضمن الدول التي تهدّد الأمن القومي الإسرائيلي ليبيا المعترف بها دوليا، وهزيمة الجنرال الليبي المنشق خليفة حفتر، غدت تشكل هاجسا لدى دوائر صنع القرار في غير عاصمة عربية وأجنبية، فهي تشكل مع كيان العدو الصهيوني، وإيران، ثالوثا ذا مغزى، كونها الكيانات الأكثر قوة وتأثيرا في الإقليم. وتمتاز تركيا على غيرها في هذا الثالوث بأنها تتحرّك في مجالها الحيوي الأكثر تقبلا لها، على الصعيد الشعبي تحديدا، فهي مقبولة لدى العقل الجمعي العربي، وربما المسلم أيضا، أكثر من إيران، كونها بلدا سنيا في غالبه. وبالطبع، تتميز عن كيان العدو الصهيوني بمليون ميزة أخرى، لا يُتحدث فيها لبداهتها. ولهذا كلما اشتد عودها، وزاد تأثيرها في الإقليم، بثت في قلوب نادي الديكتاتوريات العربية رعبا لا قبل لها به. وفي الوقت الذي تتودد هذه الديكتاتوريات لإسرائيل، وتتذبذب لإيران، تناصب تركيا العداء، ولا تدّخر جهدا في التآمر عليها، والكيد لها سرا وعلانية.. لماذ؟

(2)

في تقويم نادر وغير مسبوق، أدرجت شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) تركيا في تقديرها الاستخباري لعام 2020 ضمن قائمة المنظمات والدول التي تهدّد الأمن القومي الإسرائيلي. وعزا التقرير ذلك إلى ما وصفها “الأعمال العدائية” المتزايدة التي تقوم بها تركيا في الشرق الأوسط، وفي شرق البحر المتوسط، وتعديل الحدود البحرية الاقتصادية مع ليبيا.

وعلى الرغم من أن الاستخبارات العسكرية لم تحدد، في تقديراتها، طبيعة التهديد الذي تشكله تركيا على الأمن القومي الإسرائيلي، ونوعيته ومضمونه، لكنها قالت إن “السياسات التي يتبعها أردوغان، الذي تحالف حزبه الإسلامي مع جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط (…)، كانت وراء القلق الإسرائيلي، إذ جعلت هذه الممارسات والسياسات تركيا من أكبر المخاطر الإقليمية التي يجب مراقبتها ورصد تحرّكاتها”. ووفق وجهة النظر الإسرائيلية، لا يقتصر “التهديد” وراء البحار، بل أيضا داخل فلسطين التاريخية، إذ يتم التحذير من تدفق المال التركي على فلسطينيي 48، عبر عشرات الجمعيات في القدس والداخل الفلسطيني، والتي تنشط في الدعوة الإسلامية ورعاية الأقصى والمقدسات والعائلات المستورة، وترميم آثار ومعالم بنيت خلال العهد العثماني، مثل مبنى الحاكم التركي في يافا، ومباني الإدارة العثمانية والمسجد الكبير في بئر السبع، فضلا عن تقديم تركيا نسخةً من الأرشيف العثماني إلى السلطة الفلسطينية الذي يضم عشرات الآلاف من وثائق التسجيل العقاري في أراضي الإمبراطورية العثمانية، وهذه قد تعيق، على المدى البعيد، قدرة إسرائيل على مواصلة السيطرة على عقارات اللاجئين الفلسطينيين.

(3)

لا تخطئ العين عشرات بل مئات المواقف والتصريحات التي تحذر من “الأطماع” التركية في “النموذج” التركي يداعب وجدان العربي المقهور، ويصل إلى حد كونه ملهما له، وهذا ما يثير قلق بعضهم” الشرق العربي، وأحلام إعادة دولة “الخلافة العثمانية”، وهو وإن كان حلما بعيد المنال، وربما غير موجود فعلا في أجندة أردوغان، إلا أنه يشكل كابوسا لغير نظام عربي، ليس لأن تطبيق هذا الحلم ممكن الحدوث، بل لأن “النموذج” التركي يداعب وجدان العربي المقهور، ويصل إلى حد كونه ملهما له، ويفرض مقارنة غير “مريحة” بين زعيم كأردوغان وزعماء عرب خذلوا وما زالوا يخذلون شعوبهم، ويتآمرون سرا وعلانية مع العدو الصهيوني، ويتوددون له، بل خلعوا عنهم ورقة التوت، وغدا الناطقون باسمهم يتحدثون علانية عن “حق” العدو الصهيوني في الوجود والاحتلال والتوسع. ولا أدل على هذا، من أننا لم نسمع موقفا رسميا عربيا من ضم الكيان الصهيوني ثلث الضفة الغربية، بحيث يحدد طبيعة الرد على الخطوة الإسرائيلية. كلام المسؤولين يشبه تقييم محلل سياسي لمخاطر الخطوة وتداعياتها على الاستقرار و”عملية السلام”، على حد تعبير المفكر العربي عزمي بشارة، في تغريدة له على “تويتر”.

(4)

في جانب آخر، تنقل الكاتبة روبن رايت، في مقال لها في مجلة نيويوركر، عن الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، فيل غوردون، قوله: “من العدل السؤال إن كانت تركيا حليفا حقيقيا للولايات المتحدة .. قبل عشرة أعوام، كنا ننظر إلى تركيا أنها تتحرّك باتجاه الولايات المتحدة والغرب، وهي تقوم بالإصلاح والنمو الاقتصادي وعملية دمقرطة، وإخراج الجيش من السياسة، ومحاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والعمل مع الولايات المتحدة في حلف الناتو من أفغانستان إلى البلقان، لكن تركيا تحرّكت في السنوات الماضية في الاتجاه المضاد .. ولا تزال تركيا شريكا مهما للولايات المتحدة، لكن الأيام التي طمحت فيها الولايات المتحدة لنموذج مشاركة قد ولّت”.

وفي إشارة ذات مغزى، تقول الكاتبة إنه منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد أردوغان عام 2016 أصبح الجيش التركي مؤدلجا (!)، وتضيف: “من الصعب بناء علاقات أميركية – تركية أو ناتو – تركية”، فقد تم “تطهير” عشرات الآلاف من الجيش، و”لو نظر إليك على أنك مؤيد للناتو فقد تكون هذه نهاية لمسيرتك العسكرية”. القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط أصبحت قلقة من الجيش التركي؛ لأن التركيز صار على الأيديولوجيا والتدين، وليس المهنية.

حتى اليوم، هي إشارات وتلميحات علنية ضد تركيا، وثمّة عمل سري دؤوب لتدمير تركيا الأردوغانية (بلغ حد محاولة الانقلاب العسكري!) والنيْل من اقتصادها عبر إنهاك الليرة التركية، وغير هذا من أساليب، بعضها نعرفه وكثير لا نعرفه، ولكن .. هل يأتي اليوم الذي نرى فيه إعلان ما يسمى المجتمع الدولي عن تركيا دولةً مارقة، وهي تهمة تلصق بكل من يحاول شقّ طريق مختلف عن سيطرة “الحكومة السرية” التي تحكم العالم، وتمتصّ خيراته؟

(العربي الجديد)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *