هل ينجح تبون في إنهاء الهيمنة الاقتصادية لباريس على الجزائر؟

بداية من الـ31 من أكتوبر/تشرين الأول 2020، لن تكون الشركة الفرنسية المكلفة بتسيير وصيانة مترو الجزائر على رأس عملها في البلاد، بعدما قررت السلطات سحب تسيير مترو الجزائر من شركة RATP DEV، واستبدالها بشركة جزائرية مئة بالمئة.

ويأتي إنهاء مهام الشركة الفرنسية التي تعمل منذ العام 2011، ليطرح تساؤلات عن مستقبل الشركات الفرنسية التي تربطها عقود عمل في الجزائر، باعتبار أن معظم هذه الشركات باتت تحت الأنظار بعد تولي الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون.

انتهى عهد “الدَّلال” للشركات الفرنسية 

يبدو أن الرئيس الحالي يتجه نحو توطين بعض القطاعات والمشاريع الكبيرة في البلاد، يقول المحلل الاقتصادي عبدالنور جحنين لـ”عربي بوست” إن “الدَّلال” الذي كانت تحظى به الشركات الفرنسية في الجزائر قد ولَّى. 

معتبراً أن الخطوة التي قامت بها الجزائر لإنهاء عقدها بشكل واضح مع شركة الصيانة ومتابعة المترو ما كانت لتكون لولا رغبة السلطة في فرض منطقها وخارطة عملها، في عهد ما بات يُطلق عليه “الجزائر الجديدة”.

وتبدو استراتيجية الرئيس الجزائري الحالي مناقضة تماماً لما كان عليه الأمر إبان عهد الرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة، في نظر الخبير الاقتصادي فارس مسدور، الذي أوضح أن “لتبون نية واضحة في قطع دابر الامتيازات والطرق الملتوية التي كانت تعتمدها الشركات الفرنسية في الجزائر”.

وأن عديداً من الشركات الفرنسية ستخسر السوق الجزائري في حال عزلها عن الامتيازات ومنطق المحاباة الذي كانت تحظى به خلال أكثر من عشرين عاماً ماضية”.

 فحتى نهاية 2017 بلغت قيمة الاستثمارات الفرنسية في الجزائر نحو 2.5 مليار دولار حسب الوكالة الوطنية للتطوير والاستثمار… وكانت أكبر مطالب الحراك الجزائري تحرير الاقتصاد من الهيمنة الفرنسية.

شركة جزائرية تتولى تسيير المترو 

من جانب آخر، أعلنت مؤسسة مترو الجزائر أنه تحسباً لانتهاء أجل الصفقة رقم 053-2007 “EMA- RATP- Developpent”، سيتم استئناف نشاط تشغيل وصيانة مترو الجزائر العاصمة من طرف شركة جديدة مملوكة بالكامل لمؤسسة مترو الجزائر “EMA”، التي شارفت عملية إنشائها على الانتهاء، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

وأوضحت المؤسسة في بيان لها، وفق جريدة الخبر الجزائرية، أنه تطبيقاً لترتيبات الصفقة السالفة الذكر، فإن مؤسسة مترو الجزائر “EMA” التي تحل محل المتعامل الحالي فيما يخص الالتزامات والحقوق، تتعهد بتوظيف كافة العمال الجزائريين المكلفين بتسيير مترو الجزائر، وذلك وفقاً للأحكام التشريعية الخاصة بعلاقات العمل السارية المفعول.

 الشركات الفرنسية لم تعد مجدية

وعلاوة على رغبة تبون في توطين القطاعات الجزائرية، فإن واحداً من أسباب إنهاء عقد الشركة الفرنسية، هي العيوب الكارثية التي أظهرتها السنوات، خاصة تلك المتعلقة بالظروف المناخية.

ما كان سبباً في مراجعة عقد الشركة وإصدار قرار بإنهاء التعاقد معها، فالدراسة التي كلفت خزينة الدولة الجزائرية وقت تدشين المشروع قرابة 2 مليون دولار، باعتبار خط السكة يعبر على أنفاق بعمق الحارات والأحياء الشعبية القديمة، ومنها حتى الأثرية، وما يتطلبه ذلك من عناية ورعاية وتركيز، يبدو أنها لم تكن مجدية.

إلا أن حالة المترو أصبحت مزرية، ووصلت إلى حد تعطيل أغلب المحطات في حال سقطت أمطار، ما يوحي بأن الدراسة التي التهمت المليارات بالعملة المحلية كلها فاشلة. 

هذه الأزمة عايشها الجزائريون في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، يتذكرون أمطار خريف 2018، حين وجدوا المترو وكأنه سفينة، لكن أحداً لم يجرؤ على نقد الشركة الفرنسية التي حظيت بمعاملة خاصة. 

هذه الامتيازات التي كانت تحظى بها شركة تسيير مترو الجزائر وفق تصريحات الخبير الاقتصادي الجزائري فارس مسدور “وليدة الحرص الكبير لحكومة بوتفليقة حينها على إنعاش الاقتصاد الفرنسي أكثر من حرصها على تغيير أوضاع البلد، والعلاقة الحميمة بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية، ولا يستبعد مسدور أن تكون وراء صفقة تعيين الشركة التي كانت في الأصل مهددة بالإفلاس ملفات فساد، لأن الواقع الراهن، وجلسات محاكمة فاسدين من حكومة بوتفليقة، أثبتت تورّطها في قضايا فساد يديرها مسؤولون جزائريون رفيعو المستوى”.

بوتفليقة أنقذ شركة المترو من الإفلاس وتبون يطردها

من جانب آخر، فقد أشرف الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة على تدشين مشروع مترو الجزائر عشية الاحتفال بذكرى اندلاع ثورة نوفمبر/تشرين الثاني ضد الاستعمار الفرنسي، في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2011، بعدما امتدت الأشغال فيه من العام 2003، لتشمل أنفاقاً ومحطات كلها تحت الأرض، على مسافة قاربت حينها الـ10 كلم، بتكلفة مليار يورو، ليكون الأول مغاربياً، والثاني إفريقيا بعد مترو القاهرة.

قررت الجزائر تكليف الهيئة المستقلة للنقل الباريسي (RATP)، مع تجديد للعقد كلما تطلب ذلك، وهي النقطة التي أثارت تساؤل المتابعين والخبراء، كون القرار جاء عشية ذكرى اندلاع الثورة ضد الاستعمار الفرنسي.

ويؤكد الخبير الاقتصادي الجزائري فارس مسدور، أن خبراء اقتصاديين حذروا حينها من منح المترو لهذه الشركة التي كانت أصلاً قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس، بالنظر إلى الواقع الاقتصادي المعقد حينها في فرنسا، وإعلان عشرات الشركات إفلاسها.

كانت شركة RATP من الشركات الأكثر تضرراً من الوضع الاقتصادي الفرنسي، وكانت على مسافة صفر على الإفلاس، لكن في عهد وزير النقل في الفترة الممتدة بين 2004 و2008، محمد مغلاوي (حكومة بوتفليقة خلال العهدة الثانية)، أشرقت شمس هذه الشركة، بعدما طار الوزير إلى العاصمة باريس، وزرع الأمل بخزينة المؤسسة الفرنسية، التي انتعشت بالصفقة، وأصبحت مرافقاً للمشروع ومسيراً له بعد تدشينه من طرف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

ويبدو أن الشركة الفرنسية قد تعود إلى دائرة الخطر، مع إجراءات الحكومة الجزائرية برفض تجديد العقد، وهروب السوق العالمي مؤخراً من إمضاء اتفاقيات وعقود مع الشركات الفرنسية بسبب مستوى الخدمات المقدمة.

شركات فرنسية ستسقط أيضاً

ويبدو أن الأمر بمثابة تمهيد لفتح ملف عقود الشركات الفرنسية العاملة في الجزائر، يقول مراد سلام الخبير في العلاقات الدولية لعربي بوست إن عقود عمل أكثر من 40 شركة فرنسية تعمل على رأس قطاعات حيوية في الجزائر، خاصة في مجالات الطاقة، والنفط، النقل، والماء والسيارات في مهب الريح. 

فشركة “سياز” الفرنسية وهي الشركة المكلفة بتوزيع الماء الصالح للشرب في العاصمة وتيبازة على قائمة الشركات التي قد تنهي الحكومة تعاقدها.

فالسلطات لا تنظر بعين الرضا إلى أداء الشركة، خاصة بعد الأزمات المتلاحقة التي سببتها الشركة ما تسبب في إطاحة 13 شخصاً من المسؤولين بها

هذا التوجه عززه إعلان وزارة الموارد المائية قبل أيام عن دمج المؤسسة الجزائرية للمياه والديوان الوطني للتطهير في مجمع عمومي واحد، يكون تواجده على مستوى القطر الوطني بما فيه العاصمة وتيبازة ليحل محل الشركة الفرنسية “سياز” التي هي الشركة الأم لـ”سيال”.

وخطوة فسخ عقود عمل الشركات الفرنسية في الجزائر، كما يرى مراد سالم “سيكون لها تأثير على العلاقات السياسية بين الجزائر وفرنسا، فهذه الأخيرة لا يمكنها أن تتخيل الجزائر دون صفقات تدر لها مليارات الدولارات سنوياً، ومن دون عناء وبامتيازات عالية”. 

الصين وروسيا وتركيا بدلاً من الشركات الفرنسية

 بات السوق الجزائري في نظر الإعلامي والمحلل الاقتصادي عبدالنور جحنين مفتوحاً على العالم، خاصة في الاستثمار والبحث والتكنولوجيا، وهو ما يزعج فرنسا التي كانت تسيطر على البلاد.

تتوجه الجزائر لتعزيز تعاونها الاقتصادي والسياسي على عديد من دول العالم، خاصة الصين التي أصبحت شريكاً استراتيجياً واضحاً بالنسبة للجزائر، التي وقعت على مشروع طريق الحرير رغم الامتعاض الفرنسي من ذلك. 

وسيكون السوق الجزائري ملاذاً لمئات الشركات الصينية الروسية والتركية، وذلك لتعويض الفراغ الذي سيتركه “طرد” الشركات الفرنسية، بعد مراجعة عقود عملها في الجزائر لفشلها في التسيير وإفادة الاقتصاد الوطني. 

كما أثبتت اتفاقيات القمح الأخيرة توجه الجزائر أكثر الى السوق الروسي، بعدما تخلت على القمح الفرنسي، ما يجعل روسيا أيضاً لاعباً كبيراً على الأرض، سيفسد على الحليف التقليدي والمستعمر القديم كل مخططاته على الأرض. 

تركيا هي الأخرى برأي مراقبين سيكون لها دور في الجزائر، بالنظر إلى اتفاقيات الاستثمار الأخيرة، وكذا اتفاقيات الغاز، التي فتحت صفحة مهمة بين البلدين، رغم أنه يضيف: “هناك تشويش على هذه العلاقة، بحجة التوسع التركي ببلاد المغرب العربي، ومحاولة فرض المنطق في إفريقيا”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *