فورين بوليسي: أوروبا كانت تحتاج حدودا.. وقد بناها كورونا

اعتبرت مجلة فورين بوليسي (The Foreign Policy) الأميركية أن الدول الأوروبية بدأت خلال أزمة فيروس كورونا مجددا في رسم حدودها الجغرافية والتمييز بينها وبين “الآخر”، مما خلق إحساسا أقوى بالانتماء الأوروبي لم يخل من تداعيات سياسية.

وأكدت المجلة -في تقرير للصحفية والمراسلة الهولندية كارولين دي غرويتر- أن أزمة وباء كورونا دفعت دول أوروبا بشكل متزايد للنقاش بشأن حدودها المشتركة والهوية المشتركة.

وقالت إن عصر “الحدود المطلقة” أوروبيا بدأ يصل إلى نهايته حيث شيدت حدود -مادية ونفسية- بين الأوروبيين وبقية العالم لأسباب عدة، منها مشروع البريكست الذي أخرج بريطانيا أو يكاد من تحت عباءة الاتحاد الأوروبي، واعتبارات التصدي للخطر الإرهابي، لكن السبب والحافز الأقوى لهذا التوجه القديم الجديد كان أزمة فيروس كورونا المستجد.

وترى المجلة أن هذه الأزمة أدخلت أوروبا في بادئ الأمر في فوضى عارمة، حيث أصدرت كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إجراءاتها الوطنية الخاصة بها، وتعطلت السوق الأوروبية المشتركة بشكل خطير، بعدما تقوقعت دول على نفسها وصادرت أخرى شحنات أقنعة طبية كانت موجهة لجيرانها.

وقد صدم هذا الأمر -بحسب المجلة- حكومات الاتحاد الأوروبي مما دفعها إلى التحرك، حيث كانت تعلم يقينا بأنه مهما كانت الاختلافات بين الدول الأعضاء فإن أمن وازدهار أوروبا ما بعد الحرب مرتبط بسوقها الداخلية، وأن هذه السوق هي الأساس الاقتصادي والسياسي لأوروبا بأكملها ولا ترغب أي حكومة بالاتحاد في التخلي عنها.

وعلى الفور، قامت الحكومات الأوروبية بتنظيم صفوفها وقامت بسرعة بتتبع إجراءات الشحن عبر الحدود الداخلية من خلال دعم نظام “الممرات الخضراء”، وأرسلت معدات طبية لبعضها البعض، ونظمت المساعدات المالية للمناطق الأكثر تضررا.

وخلال أزمة اليورو، تطلب الأمر من هذه الحكومات الأوروبية 3 إلى 4 سنوات لإنشاء صندوق إنقاذ، لكن خلال هذا العام، تم إنشاء صندوق إنعاش بقيمة 910 مليارات دولار تقريبا في غضون 3 أو 4 أشهر، يشمل آلية مشتركة “ثورية” لإصدار القروض عبر ميزانية الاتحاد.

وفجأة -تقول فورين بوليسي- أعطى هذا “التضامن” معنى جديدا للانتماء الأوروبي، حيث غنى الألمان للإيطاليين الذين كانوا في حجر صحي شامل أغنية “بيلا تشاو”، وهي أغنية إيطالية ثورية مشهورة، كما تم علاج مرضى كورونا الفرنسيين والهولنديين مجانا في مستشفيات ألمانيا، واستقطع المحامون من أوقات راحتهم للعمل في المستشفيات، واشترى الناس ضروريات المواد التموينية لبعضهم البعض.

مزاج جديد

وتؤكد المجلة الأميركية أن “مزاجا جديدا” ظهر في المجتمع الأوروبي بعد محنة كورونا، حيث “باتت فكرة أن الأفراد قادرون على العناية ببعضهم البعض فكرة جوفاء.. الأيام التي كانت فيها الحرية أكبر نعمة قد ولت، والأكثر أهمية الآن هو المأوى والحماية”، وفق تعبير باحث الاجتماع الألماني هاينز بود.

ففي الوقت الذي يريد فيه معظم المواطنين الأوروبيين أن تظل الحدود الداخلية للقارة مفتوحة، يصرون في الوقت ذاته على أن تكون الحدود الخارجية خاضعة لرقابة أفضل، كما تأتي قضايا احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية على رأس أولوياتهم، وهو ما يؤشر على وجود “تناقض” واضح بين الرؤيتين.

فقبل 10 سنوات بدت أوروبا منقسمة بين القوميين ومناصري التعددية الثقافية، أما الآن فالجميع يرى -بما فيهم مؤيدو التنوع الثقافي- أن أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد على الآخرين وتحتاج إلى أن تحظى بـ “استقلالية إستراتيجية”، ويشكل ترسيم الحدود وتكريسها دعامة هذه الاستقلالية، وبذلك تحولت أوروبا التي كانت يوما ما مجتمعا اختياريا إلى “مجتمع ضرورة”.

وتختم المجلة بأن العديد من الأوروبيين -ليس فقط القوميون- يخشون فقدان السيطرة في ظل عالم محفوف بالمخاطر، وبدؤوا فعليا يرون في الاتحاد الأوروبي وسيلة لتعزيز سيادتهم الوطنية، وحتى لو كانوا غير سعداء بما هو عليه حال الاتحاد فمن المؤكد أنهم على الأقل سعداء بالعيش “داخله”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *