كيف حوّل المقادمة سجون الاحتلال إلى “جامعة يوسف”؟

البوصلة – لا شك أن السجن يُسجَّل محطة بارزة في تاريخ كفاح شعبنا ومقاومته للاحتلال، إذ سعى الاحتلال عبره إلى كبح جماح المقاومة وسجن المقاومين كإجراء عقابي، في حين كان يرى فيها قادة المقاومة الذين خاضوا غمار الأسر -كالمفكر إبراهيم المقادمة- شيئاً غير ذلك.

فالسجن الذي أراد منه الاحتلال محنة للفلسطينيين المقاومين وعقاباً لهم يحول بينهم وبين سعيهم لمواجهته ومقاومته، جعل منه المقادمة جامعةً تربوية تخرج القادة، ومنحةً للحركة وشبابها الذين خرجوا أقوى عوداً وأشد بأساً.

وينسب للدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة -استشهد في الثامن من مارس عام 2003- فضل إقامة جامعة في سجن النقب، أطلق عليها اسم “جامعة يوسف” -نسبة للنبي يوسف عليه السلام-، حيث وضع بمساعدة إخوانه مقررات دراسية وبرامج تربوية للأسرى داخل السجون.

ففي العام 1984 اعتُقل المقادمة للمرة الأولى بتهمة الحصول على أسلحة وإنشاء جهاز عسكري للإخوان المسلمين في قطاع غزة، وحكم عليه بالسجن ثماني سنوات قضاها في سجون الاحتلال.

وتنقل الدكتور المقادمة بين سجون غزة وعسقلان والنقب، ورأى أن الشباب الذين اعتقلوا بحاجة إلى المزيد من التثقيف والإعداد حتى يضطلعوا بأدوار قيادية بعد خروجهم من السجن.

جامعة يوسف

يقول الدكتور المقادمة في لقاء مصور جرى تسجيله قبل استشهاده بشهور قليلة، إن السجن غدا مدرسة تربوية، ومحطة لعلها من أهم المحطات التربوية في تاريخ الحركة، التي أثرت بصورة إيجابية في نفوس شبابها.

ويضيف: قبيل تأسيس حركة حماس تعرض قادتها للاعتقال من بينهم عدد من القيادات التاريخية للحركة كالشيخ أحمد ياسين والشيخ صلاح شحادة، وكانوا يساهمون في تثقيف الشباب وتوعيتهم في القضايا الوطنية.

ويتابع: في سجن عسقلان كنت أعطي محاضرات خاصة لجميع من في السجن، ومحاضرات خاصة لأبناء الحركة، حتى إذا بدأ عدد الشباب يزداد مع العام 1988م، وجدت أن الشباب بحاجة إلى برنامج مكثف ليكون أشبه بدورة إعداد للقادة.

وفي حين أخذ يشرح كيف أن تجربة إعداد الشباب داخل السجن ضمن برنامج مكثف أخذت طابعاً تجريبياً وحصدت نجاحاً محققاً، يشير إلى تلك التجربة أنضجت الرؤية حول ما أسماه بـ”الثورة الجديدة في التثقيف” التي بدأت في سجن النقب وعُممت في الخيام جميعها.

وعن الحاجة لوجود هذا البرنامج بيّن المقادمة أن بعضاً من المقاومين تعرضوا لصدمة الأسر وتأثروا بها على نحو يجعلهم يضعفون أمام السجان، عازياً ذلك إلى حالة من القصور في الاستعداد النفسي لتقبل الاعتقال والضعف في الوعي الوطني والسلوك التربوي لدى الفرد، بما رسخ الحاجة لهذا البرنامج.

ويتابع: اعتمد المنهج التربوي على البناء العقدي لدى الفرد بالاعتماد على القرآن الكريم والسنة النبوية، إضافة إلى دورات في القضايا الفكرية والحركية وما يتصل بها من الأمور.

ويسرد: كان هناك ثلاثة مستويات في هذا البرنامج، في كل مستوى هناك نسبة مقدرة من الثقافة والفكر بحسب القدرات والكفاءة، حيث يتم إلحاق الأسير داخل السجن بالبرنامج ضمن المستوى الذي يتوافق ومستواه العلمي والثقافي.

ورغم شح الكتب داخل السجون، وسجن النقب تحديداً إلا أنه سعى وإخوانه إلى توفير ما استطاعوا توفيره، حيث وضع عددا من الكتب الموجودة في مكتبة السجن في إطار هذا البرنامج.

أما المحاضرات فكانت تعقد في مواقيتَ محددة ضمن نظام معتمد، كما حُدّدت خيام لإعطاء المحاضرات في أوقاتها، حيث يتوجه إليها الطلاب وقت المحاضرات؛ أشبه ما يكون بالبيئة الأكاديمية الجامعية.

الإرث والبصمة

هذه الجامعة التي أسسها المقادمة خرّجت آلافاً من أبناء حركة حماس وقادتها، وعوّضت جانباً كبيراً من الفراغ الذي ينشأ داخل السجن، وأضيفت إليه برامج تربوية ورياضية وثقافية حتى غدت السجون منارة للفكر ومخرجةً للرجال.

وفي حين يقبع اليوم ما يزيد على 5 آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني ومقاوميه في سجون الاحتلال، يهّون عليهم جانباً من عذابات الأسر ما أبدعه سابقوهم من الأسرى القادة -كالمقادمة- الذين وضعوا البرامج والمناهج حتى يكون السجن محطةً لصقل الرجال وترسيخ هوية المقاومة.

تلك الهوية التي ساهم فيها المقادمة، إذ ترك إرثاً فكرياً وثقافياً كبيراً وألّف العديد من الكتب والدراسات خلال مكوثه داخل السجن وخارجه، من أبرزها كتاب “معالم في الطريق إلى تحرير فلسطين”، و”الصراع السكاني في فلسطين”، كما كانت له عدة دراسات في المجال الأمني.

لذلك، لم يكن غريباً أن يقول الدكتور عبد العزيز الرنتيسي لدى اغتيال المقادمة في العام 2003، إن “الاحتلال أراد اغتيال الرجل الذي يسعى إلى إعادة صياغة المجتمع وفق متطلبات الكرامة”، ووصف المقادمة بأنه “رجل يعرف كيف توظف طاقات الشعب الفلسطيني، بل وطاقات الأمة من أجل معركة المصير”.

واليوم، بينما يرنو المقاومون من تلاميذ المقادمة إلى تحرير جميع الأسرى من سجون الاحتلال وتحرير الأرض من الاحتلال، يستحضرون مقولة الدكتور المقادمة “إن الصبر على آلام التغيير، والعمل للمستقبل، هو صبر عظيم دون شك، ولكنه صبر ممتع، إذ فيه لذة الكفاح ومعنى الجهاد”.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *