كيف يتحكم النفوذ والعلاقات السياسية في المال داخل الولايات المتحدة؟

في الوقت الذي تنظر فيه الدول النامية للولايات المتحدة باعتبارها المثل الأعلى في الشفافية والمحاسبة والرقابة على المسؤولين التنفيذيين على كافة المستويات، وبينما يظن البعض ألا وجود للفساد والتواطؤ في القوة العظمى الأكثر تأثيراً في العالم، لا يكاد يمر يوم إلا ويتم الكشف فيه عن وقائع أو محاولات تظهر بصورة واضحة وجهاً آخر لزواج المال من السلطة، بعد أن تصورناه حكراً على دول العالم الثالث.

وبعد ثلاثة أشهر من بدء برنامج حماية الأجور، المعروف أميركياً باسم PPP، الذي قدمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمساعدة الشركات الصغيرة، المتضررة من أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، والجهود المبذولة للحد من انتشاره، على الحفاظ على العمالة لديها، أظهرت بيانات صادرة عن الحكومة الأميركية يوم الإثنين أن العديد من الشركات العاملة في صناعة منتجات الموضة، وشركات إنتاج الأفلام، وجامعات كبرى، وسلاسل مطاعم مرتفعة الأسعار، حصلت على قروض من خلال البرنامج، وصلت قيمتها في بعض الأحيان إلى 10 ملايين دولار.  

وبعد نفاد 349 مليار دولار تم تخصيصها لتلك الشركات في حزمة تحفيز الاقتصاد وتعويض الشركات المعروفة باسم CARES، تمكن ترامب من إقناع الكونغرس بالموافقة على إضافة 310 مليارات دولار، ليتمكن من توصيل الحماية إلى ما يقرب من 30 مليون شركة، توظف أكثر من 60 مليون عامل أميركي، يمثلون نحو نصف العمالة في القطاع الخاص. وقالت الحكومة الأميركية إن هذه القروض سيتم تحويلها إلى منح لا ترد، لو تم استخدام 60% منها على الأقل في دفع أجور العاملين.

ورغم ما بدا من نوايا طيبة في الخطوط العريضة المعلنة لبرنامج حماية الأجور، وصلت ملايين الحكومة الأميركية إلى موقع الأخبار الشهير نيوز ماكس، الذي يمتلكه مؤسسه كريستوفر رودي، أحد أهم الداعمين، مادياً ومعنوياً، للرئيس ترامب، وأيضاً إلى شركة رينيسانس أكويزيشن، التي تمتلك حصة فيها بيتسي ديفوز، وزيرة التعليم.

وأظهرت قائمة الشركات التي أعلنتها وزارة الخزانة، والتي اشتملت على أسماء الشركات التي حصلت على أكثر من 150 ألف دولار، حصول مكتب المحاماة بويس شيلر فلكسنر، الذي يترأسه ديفيد بويس المسؤول عن مكتب مكافحة الاحتكار، على ملايين من أموال دافعي الضرائب، كما العديد من المدارس الخاصة في واشنطن العاصمة، ومنها المدرسة التي ذهبت إليها ابنة كل من الرئيسين السابقين باراك أوباما وبيل كلينتون، وتخرج فيها الرئيس الأسبق جون كينيدي وابنة الرئيس الحالي إيفانكا ترامب. 

وبخلاف العلاقات التي توقع البعض أنها كانت سبباً في حصول هذه الشركات على ملايين الدولارات، كان للعديد من الشركات، من بيوت الموضة العالمية الشهيرة مثل كارولينا هاريرا وفيرا وانج، وسلسلة مطاعم بي اف تشانج التي تمتلك أكثر من مائتي مطعم في الولايات المتحدة، كما العشرات من مطوري العقارات ومديري الثروات، مما لم يكن مستهدفاً بأي حال من برنامج الإقراض الفيدرالي. 

ورغم أن عدد الشركات التي ذكرتها وزارة الخزانة يوم الإثنين الماضي لم يمثل أكثر من 15% من الشركات التي حصلت على القروض، إلا أن إجمالي ما حصلت عليه تلك الشركات كان ثلاثة أرباع المبلغ الذي تم منحه. وبعد كثير من الجدل عن أحقية من حصل على القروض، أكد ريك سكوت، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري أنه “يتعين على الشركات التي حصلت على القروض دون أن تكون لها حاجة بها أن تعيدها إلى الحكومة”. 

ولم يكن برنامج حماية الأجور إلا آخر مظاهر ارتباط النفوذ السياسي بالمال في الولايات المتحدة، التي يحصل فيها أعضاء المجالس النيابية على متوسط دخل سنوي يقترب من 174 ألف دولار، تمثل أكثر من ضعف متوسط دخل المواطن الأميركي.

وتشير بيانات مركز “السياسات المسؤولة” إلى أن أكثر من نصف أعضاء الكونغرس الأميركي من المليونيرات، وأن متوسط ثروات الأعضاء تجاوز المليون دولار في آخر إفصاح تقدموا به العام الماضي 2019، لافتة إلى أن تركز السلطة موجود أيضاً تحت القبة البيضاء الشهيرة في واشنطن العاصمة، حيث يمتلك أغنى 10% من الأعضاء أكثر مما يمتلكه التسعون في المائة الآخرون. 

ويأتي على رأس أغنياء الكونغرس، بثروة لا تقل عن 500 مليون دولار، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري كيلي لوفلر، التي أعلنت في إبريل/ نيسان الماضي نيتها بيع كل ما في حوزتها من أسهم، بعد أن تعرضت لهجوم كبير في أعقاب بيعها ما بلغت قيمته 20 مليون دولار من الأسهم عقب معرفتها، من خلال عضويتها في إحدى لجان الكونغرس، بالنتائج المتوقعة لانتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في بداياته، عن طريق إفادة مغلقة تمت أمام اللجنة. وزاد من تعقيد موقف لوفلر، التي لم تكمل عامها الخمسين، أمام الرأي العام أنها متزوجة من جيفري سبرتشر، رئيس مجلس إدارة بورصة نيويورك. 

ولم تكن لوفلر الوحيدة التي تم التحقيق معها، حيث استجوبت السلطات الأميركية في شهر مايو/ أيار الماضي كلا من السيناتور الجمهوري جيمس اينهوف، والسيناتور الديمقراطي ديان فينشتاين، لبيعهما كميات كبيرة من الأسهم بعد حضورهما جلسة الاستماع المغلقة التي تمت فيها إفادتهما بالتطورات المتوقعة للفيروس القاتل، الذي كان قد ظهر للتو وقتها، قبل أن يتم صرفهما دون توجيه اتهامات لهما بمخالفة القانون.

وفي وقت سابق من هذا العام، أشارت شبكة “سي أن أن” إلى أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، قام ببيع ما تصل قيمته إلى 50 مليون دولار من الأسهم التي يمتلكها في نفس التوقيت، الذي سبق انهيار سوق الأوراق المالية في النصف الثاني من مارس/ آذار الماضي، وتسبب في فقدان العديد من الأسهم الأميركية لأكثر من نصف قيمتها. وأكدت الشبكة أن كوشنر استفاد في عملية البيع المشار إليها من الإعفاءات الضريبية التي أقرها ترامب، وروج لها كوشنر بنفسه. 
ويحتل المرتبة الثانية ضمن أغنياء الكونغرس السيناتور ريك سكوت، بثروة تقدر بأكثر من 259 مليون دولار، جمعها عن طريق تأسيسه واحدة من أكبر شبكات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، وهي مجموعة مستشفيات كولومبيا، قبل أن يجبر على الاستقالة في عام 1997 في قضية فساد تتعلق بأموال فيدرالية، تمكنت المجموعة من تسويتها عقب استقالة سكوت، بعد تغريمها مبلغ 1.74 مليار دولار لصالح وزارة العدالة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *