ما هي آفاق التقارب بين مثلث العراق والأردن ومصر؟

بعد انتهائه من الحرب على تنظيم “الدولة” وحاجته للانفتاح أكثر على محيطه العربي والإقليمي، يتطلع العراق لتنويع علاقاته الدبلوماسية، والتركيز على الجوانب الاقتصادية، وإعادة إعمار المدن، وتأهيل البنية التحتية، والتوسع في جذب الاستثمارات الخارجية بمجال الطاقة.


وطيلة سنوات، ظل القرار العراقي خاضعا إلى حد كبير للسياسات الإيرانية، سواء المباشرة، أو التي يتم تمريرها من خلال قادة الكتل السياسية الحليفة لإيران، والتي تسيطر على أغلب مقاعد مجلس النواب العراقي.

وبعد التوترات الأمريكية والخليجية مع إيران، يخضع العراق إلى معادلة مقايضة عودته إلى بيئته العربية، مقابل الابتعاد ولو جزئيا عن الدوران في فلك السياسة الإيرانية، وهو نهج حكومة مصطفى الكاظمي، بعد تسلمه رئاسة السلطة التنفيذية، في مايو/ أيار الماضي.

ويعتقد الكاظمي، أن إبعاد العراق عن سياسة المحاور، في ظل الاستقطابات الدولية والإقليمية، التي تشهدها عموم منطقة الشرق الأوسط، سيصب بالتالي في مصلحة الشعب العراقي، واستعادة سلطة الدولة على القرار الأمني والسياسي والاقتصادي.

وفي 25 أغسطس/ آب الماضي، استضافت العاصمة، عمّان، قمة ثلاثية جمعت قادة الأردن والعراق ومصر، للمرة الثالثة على هذا المستوى.

وجاءت قمة عمّان بعد قمتي القاهرة في مارس/ آذار 2019، ونيويورك في سبتمبر/ أيلول من نفس العام، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وسبق أن التأمت أربع دول عام 1989 لتشكيل “مجلس التعاون العربي” بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، وضم المجلس الدول الثلاث، العراق ومصر والأردن إضافة إلى اليمن، انتهى بغزو العراق لدولة الكويت في 2 أغسطس/ آب 1990.

وركز “مجلس التعاون العربي” على الجوانب السياسية بشكل أقل، مع غياب التنسيق العسكري الرباعي أو الحديث عنه، في حين كان هدفه الأساسي خلق شراكة اقتصادية، دون أن يكون منافسا لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، إنما التكامل بين المجلسين.

الموقف من إيران
يبدو الهدف من مساعي جر العراق إلى بيئته العربية، هو إبعاده عن إيران، واقترابه أكثر من المحور الذي تقوده السعودية، وهو ما يثير خلافات داخلية في العراق، الذي تملك فيه إيران عبر حلفاء لها نفوذا واسعا، في الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

ويأخذ الجانب الاقتصادي، الحيز الأكبر من المباحثات الثلاثية بين العراق والأردن ومصر، إذ أن الدول الثلاث تعاني من أزمات ومشاكل اقتصادية متراكمة.

أما الجانب السياسي، فقد يكون التعبير عن مواقف مشتركة بالملفات الإقليمية، مثل التدخلات الإيرانية في ملفات العراق وسوريا وليبيا، هو الأقل اهتماما، ولم يُعبَّر عنه في البيانات المشتركة بشكل واضح وصريح، بل اكتفت بصياغات عمومية لا تشير إلى أي طرف آخر.

فالنظام المصري، قد تكون لديه رغبة بتبني موقف “عراقي أردني” مشترك، من الحرب الأهلية في ليبيا، لكن العراق على الأقل لا يمكنه أن يتبنى موقفا مناهضا لتركيا، التي تنسق معه في إطار تخليصه من تواجد ونفوذ تنظيم “بي كا كا” الكردي.

ويأتي موقف العراق من تركيا، في سياق إستراتيجية أوسع يتبناها الكاظمي باستعادة فرض سلطة الدولة على جميع الأراضي العراقية، حيث أن لـ”بي كاكا” مناطق نفوذ في محافظات إقليم كردستان، ونينوى التي يتبع لها قضاء سنجار.

ويسيطر أيضا على أجزاء واسعة من القضاء، والمناطق المجاورة له، وصولا إلى جبال قنديل في محافظة أربيل شرقا، ومحافظة الحسكة السورية غربا.

أما على الجانب الجغرافي، فيشكل الأردن نقطة تواصل بري، لا بديل عنها بين العراق ومصر.

اختلاف أولويات

من الموضوعات التي نوقشت بين الدول الثلاث، الشروع بوضع آليات تكامل الربط الشبكي للطاقة الكهربائية، ومد خط أنابيب نفط من العراق عبر الأردن إلى مصر، مع طريق بري مواز لنقل البضائع والسلع بين الدول الثلاث.

وتحتاج كل دولة من الدول الثلاث، إلى الدولتين الأخريين، اقتصاديا، وإلى مساندة ودعم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ولا يزال العراق بحاجة لمساعدات خارجية في إعادة الإعمار، وفرض سلطة الدولة، واسترداد قرارها، ووقف التدخلات الخارجية، ونزع أسلحة المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية جراء انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية، وتداعيات جائحة كورونا على اقتصاديات دول العالم.

وقد لا يكون لمصر أو الأردن، اللتان تعيشان ظروفا اقتصادية متأزمة بشكل أكبر من العراق، ما يكفي من الإمكانيات والقدرات لمساعدة العراق في مجمل أزماته، التي تمثل في معظمها أزمات اقتصادية.

لكن يمكن لهما، أي الأردن ومصر، أن يساندا العراق سياسيا، في سعيه لمنع التدخلات الخارجية، عبر جامعة الدول العربية، حيث تتمتع مصر بدور فاعل يقترب من السيطرة على قرار الجامعة، وتوجيهه بما يتفق مع سياساتها الخارجية، ومواقفها سواء من تركيا أو إيران.

ولا يبدو التنسيق الثلاثي بديلا عن الجامعة العربية، التي لم تعقد قمتها هذا العام (2020) بالجزائر بذريعة جائحة كورونا، التي لم تمنع من تنظيم قمم دولية أخرى افتراضيا، ما يعكس حقيقة تراجع دور الجامعة لأدنى مستوياته، الحد الذي قد ترى بعض الدول أن استمرار وجود المنظمة لم يعد ضرورة عربية.

وتسعى مصر إلى جانب تحقيق مكاسب اقتصادية، لحشد التأييد السياسي العراقي والأردني لمواقفها الإقليمية.

أما الأردن، فإنه يسعى لتحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية، ودعم توجهات المملكة لحل الدولتين على أساس مبادرة السلام العربية لعام 2002، واستمرار دور الأردن لرعاية الأماكن الدينية المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين في القدس، وهو أمر مهم للأردن الذي يخشى من تداعيات التطبيع الإماراتي الإسرائيلي على وصايته على الأماكن المقدسة.

وإذا كانت الدول الثلاث، تلتقي على التحالف مع الولايات المتحدة، مع الاختلاف في الأولويات السياسية لكل منها، فإن وجود مثل هذه الشراكة قد يعزز العمل العربي المشترك.

إذ أنه من المحتمل أن تنسق الدول الثلاث مع منظومة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وفتح الباب أمام الدول العربية في شمال إفريقيا للدخول كشركاء جدد، في حين قد لا يبدو أن هناك دول في الشرق العربي مؤهلة لذلك، مثل سوريا أو لبنان أو اليمن.

ويُعتقد أن التكتل الثلاثي الجديد، لا يسعى لمنافسة مجلس التعاون الخليجي، إنما مكمل له أو للتكامل معه مستقبلا.

مستقبل التكتل
من الصعب القول إن الشراكة بين الدول الثلاث، يمكن أن تشكل محورا فاعلا في التغيرات الجيوسياسية بالمنطقة، رغم أن مصر سعت خلال العامين الماضيين لزيادة تأثيرها في ليبيا والبحر الأبيض المتوسط والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي ملفات في عمومها لا تهم العراق أو الأردن، عدا الملف الفلسطيني.

وفي قراءة لتوازنات القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، قد لا نجد أي وجود لدور عربي إقليمي فاعل، في مقابل وجود ثلاث قوى إقليمية فاعلة ومؤثرة في ملفات المنطقة، إسرائيل وإيران وتركيا، إضافة إلى النفوذ والتدخل الدولي من قبل أمريكا وروسيا وفرنسا.

لذلك، لا تبدو الدول الثلاث تمتلك ما يكفي من القدرات، لتشكيل تحالف أو تكتل قوي وفاعل في المنطقة.

لكن في كل الأحوال، يمكن القول إنه تكتل سياسي ثلاثي، يعتمد أساسا على الجوانب الاقتصادية، ويعطيها الأولوية في التنسيق والمباحثات المشتركة.

لكن هذا لا ينفي حقيقة أن هناك جهد ثلاثي، للاتفاق على مشتركات ومواقف محددة من مجمل التحولات الجيوسياسية، التي تعيشها المنطقة، والصراعات والحروب الداخلية، التي تحولت في معظمها إلى حروب بالوكالة، وتصفية حسابات لأطراف خارجية.

(الأناضول)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *