من الرابح من الخلافات السياسية المتصاعدة بماليزيا؟

شكلت إقالة رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد من حزب أبناء الأرض “بيرساتو” منعطفا جديدا بالمشهد السياسي بالبلاد، إذ جاءت عقب استقالة مهاتير من رئاسة الحكومة في شباط/فبراير الماضي، تبعها تولية المؤسسة الملكية نائبه محيي الدين ياسين رئاسة الوزراء.

أضفى التطور الأخير صورة ضبابية حول تداعياته على بلد تتعقد فيه الحسابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما يترتب عليه من تحالفات جديدة، أو خطوات قد يتخذها مهاتير الذي يوصف بصانع النهضة الماليزية والمعروف بقدرته العالية على المناورة السياسية.

عاد مهاتير (94 عاما) إلى الحكم (بعد 15 عاما من تركه) رافعا برنامجا إصلاحيا عبر تحالف الأمل الذي فاز في انتخابات مفصلية أطاحت برئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق (2009-2018)، وجعلت الأخير ملاحقا من المحاكم الماليزية بعدة قضايا فساد.

وقطعت استقالة مهاتير بعد نحو عامين من توليه منصب رئاسة الوزراء، الطريق على حليفه أنور إبراهيم (زعيم حزب عدالة الشعب) من أن يصل إلى رئاسة الحكومة، بموجب اتفاق تشكيل تحالف الأمل.

ويصف رئيس مركز أسيا والشرق الأوسط، محمد مكرم بلعاوي، هذه الاستقالة بأنه “أحاطها الكثير من الغموض”، وتؤشر أيضا على “وجود دولة عميقة تسير الأمور في ماليزيا، بدليل أن الاضطرابات السياسية في هذا المستوى الرفيع، لم تؤثر كثيرا على سياسة البلد وإدارة الحياة اليومية”.

جذور الخلاف

ويعتقد بلعاوي أن مهاتير الذي عاد للحكم في ظرف استثنائي “لم يتمكن خلال عامين على توليه منصب رئاسة الحكومة من إنجاز ما وعد به من إصلاحات، ولجأ لاستخدم أساليب متعددة من أجل السيطرة على البلد”.

ويرى بأن أهم عقبة واجهها مهاتير في تنفيذ برنامجه الإصلاحي هو أن حزبه (أبناء الأرض 26 مقعدا) كان يفتقد للأغلبية البرلمانية (222 مجمل مقاعد البرلمان)، ما جعله يُكون تحالف الأمل.

وتحالف الأمل يضم أربعة أحزاب رئيسية، وهي: حزب عدالة الشعب بزعامة أنور إبراهيم 50 مقعدا، وحزب أبناء الأرض بزعامة مهاتير محمد 26 نائبا، وحزب العمل الديمقراطي (داب) 42 نائبا، وحزب الأمانة 11 نائبا.

ووفقا لبلعاوي فإن حزب “داب” غالبية أعضائه من غير المسلمين وخصوصا الصينيين، إضافة إلى أن أنور إبراهيم من دعاة المواطنة المتساوية، جعلا الأغلبية المالايوية ترى في هذا التحالف تهديدا لمميزات منحهم إياها الدستور، ما أخضع مهاتير لضغوط “غير واضحة” حالت دون أن تؤول رئاسة الحكومة لأنور.

ويشير بلعاوي إلى أن الأغلبية المالايوية تعتبر نفسها طرفا مستضعفا في ماليزيا، لا سيما أنهم يسيطرون على نحو ربع الاقتصاد، بينما يستحوذ على البقية الأقليات الأخرى وأبرزهم الصينيون، لذا لديهم حساسية عالية تجاه ما يسمونه “حقوقهم الدستورية المكتسبة”.

ويشكل الملايو المجموعة العرقية الأكبر نحو 50.4 بالمئة من سكان ماليزيا، يليها الصينيون 23.7 بالمئة، ثم بوميبوترا (السكان الأصليون) 11 بالمئة، يليهم الهنود بنسبة 7.1 بالمئة.

وشكل تكليف الملك لمحيي الدين ياسين نائب مهاتير في حزب “أبناء الأرض” بمنصب رئيس الحكومة ضربة لمخطط الأخير في أن يعاد تكليفه بالمنصب، ما جعله يقود حراكا من أجل إسقاط حكومة ياسين، وعمل على سحب الثقة البرلمانية عنها، ما فجر الخلاف الأخير بينهما.

ويقول بلعاوي: “لعبت جائحة كورونا لصالح محيي الدين ياسين بتأجيل عقد البرلمان أكثر من مرة، فيما ترسخت قناعة لدى الملك والدولة العميقة أن البلد بهذا الظرف الاستثنائي يجب أن تحظى بثبات سياسي، وألا تترك للمساومات الحزبية والدخول في الفوضى”، في إشارة إلى مساعي مهاتير المستمرة بعرقلة حكومة ياسين عن كسب ثقة البرلمان.

ويضيف: “بتنا أمام فصل جديد من تصاعد الخلافات بين مهاتير وياسين، والذي يتجه إلى الأسوأ وربما يكون أكثر غموضا”، مشيرا إلى أن إقالة مهاتير من حزب “أبناء الأرض” ربما تدفعه لتشكيل أحزاب وتحالفات جديدة، وذلك بالنظر إلى ما  يتمتع به مهاتير من مرونة سياسية عالية لفعل ذلك.

خيارات مهاتير.. من الرابح؟

وعن ردة فعل مهاتير تجاه قرار فصله من الحزب، أوضح الصحفي المقيم بماليزيا عبد الله بوقس أن “مهاتير لم يعترف بقرار فصله، بل مارس سلطته كرئيس لإدارة مجلس الحزب وأقال السكرتير التنفيذي محمد السحيمي يحيى الذي أصدر خطابات الفصل بحقه وأربعة قيادات آخرين”.

ويسعى مهاتير أيضا إلى إقالة محي الدين ياسين من الحزب، لكن عن طريق المجلس الأعلى للحزب، ويقول بوقس: “مهاتير لن يرضخ للأمر الواقع. وسيعمل على استعادة حزبه بطريقته الخاصة، إنه رجل الاستراتيجيات السياسية، وهو شديد مع خصومه السياسيين”.

ويعتقد أن الأمور تتجه في حزب أبناء الأرض إلى التفكك في نهاية المطاف، وبالتالي فالخيارات المطروحة أمام مهاتير لاستكمال مسيرته السياسية هو العودة إلى التحالف مع الأحزاب المنضوية في “تحالف الأمل”، مستبعدا في هذا الوقت “حصول ذلك”.

ورجح بوقس أن يستمر مهاتير في نضاله السياسي كنائب مستقل إلى أن تتحدد ملامح تكتل المعارضة قبل الانتخابات العامة القبلة في 2023.

وعن توقعاته تجاه قرار البرلمان الماليزي بشأن طلب مهاتير سحب الثقة عن حكومة ياسين في الجلسة المقبلة والمرتقب عقدها في تموز/يوليو المقبل، يرى بوقس أن مجريات الجلسة السابقة توضح أن تكتل الجبهة الوطنية بلغ 113 مقعدا فيما بلغ تحالف الأمل 109، ما يرجح أن مقترح مهاتير لن يمر.

ويشير إلى أن تحالف الأمل يدعي أن حصته تصل 128 مقعدا في ظل انتشار شائعات عن انتقال  عدد من نواب الجبهة الوطنية إليه.

ويرى بوقس أن الرابح الوحيد من هذه “المناوشات السياسية” هو حزب المنظمة القومية الملايوية المتحدة (أمنو)، حيث سيعود مجددا للسيطرة على زمام السلطة من خلال تحالف الجبهة الوطنية أو تحالف سياسي آخر يكون تحت قيادته، مستفيدا من دعم الأغلبية المالايوية في البلاد.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *