حلمي الأسمر
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
Share on telegram
Telegram

رابط مختصر للمادة:

هل يحتفل شعبٌ مهزومٌ بالنصر؟

حلمي الأسمر
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

كثيرون دارت في رؤوسهم أسئلة كبيرة ظلّت، على الأغلب، بلا جواب، وكلّها تدور حول معنى “النصر” الذي حققه الشعب الفلسطيني في المعركة التي خاضها أخيراً مع العدو الصهيوني أولاً، ومع نفسه ثانياً وثالثاً وعاشراً، ولعلّ المعركة الثانية، مع الذات، هي الأكثر شراسة وعنفاً وخطورة.

وفي قصة “أولاً” لغز كبير دارت حوله نقاشاتٌ كثيرة، فالطرف الصهيوني يدّعي نصراً، أو شبه نصر، ويورد قائمة كبيرة من “الإنجازات” التي أحرزها في معركة “حارس الأسوار” في مواجهة “أسوار القدس”.

داخل الكيان الصهيوني، حيث حالة إنكار غير مسبوقة، يعلمون جيداً أنّهم لم ينتصروا، كلّ ما هنالك أنّهم ردّوا على “جدع أنفهم” بكلّ قوة ممكنة، إذ كيف “تجرؤ” منظمة كـ”حماس” على فرض معادلة جديدة في “العاصمة الموحدة”؟ هدّدت ونفذت، وكيان العدو ردّ بعصبية، حتى إنّ جعبة “بنك أهدافهم” فرغت في أقل من أسبوع، وبدأوا باصطياد الأبراج نوعاً من “التنفيس” عن الحقد. وجرّهم هذا إلى عملٍ اعترفوا أنّه كان أحمق بامتياز، وهو قصف برج الجلاء حيث مكاتب صحافية، كانت بمثابة الشهود على الجريمة، ولم تفلح عملية فقء عيون الشهود في حجب حجم الجريمة، بل جرّ على القاتل ما جرّ من لوم وحرج.

أما في غزّة، فثمة “نشوة” من نوع ما، ممزوجة بطعم العلقم، فقد ترنّح الفلسطيني طرباً وهو يشهد جموع من شرّدوا أجداده في منافي الأرض يتراكضون خوفاً، بحثاً عن أقرب ملجأ، وكلما سمع صوت بكاء امرأة أو أنين رجل من غرمائه ازداد طرباً، بل إنّ بعضهم، خصوصاً في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948، كان يود معانقة صواريخ غزة. وبصعوبة بالغة، سيطر على رغبةٍ عارمةٍ بأخذ صورة “سيلفي” مع بقايا صاروخ، أو حفرة أحدثها في الأرض. مشهد أقرب إلى السوريالية، لا يمكن لمستوطن أن يفهمه.

مع “النشوة” إيّاها رعبٌ يمسّ أبعد نقطة في النخاع الشوكي من موتٍ كثيف، ومفجع، ونوعي، موت يطارد كلّ من يقيم على الثلاثمائة وستين كيلومتراً. ومع هذا كله، يجد متسعاً لتلك النشوة، فقد نجح المحاصرون منذ 15 عاماً في فعل ما عجزت عنه 21 دولة تمتلئ خزائنها بترسانات أسلحة من كلّ صنف، وصرفت عليها مليارات من الدولارات.

في قصة “أولاً” هو نصر ما، لكنّه نصر لا يشكّل غير حبّة من مسبحة تعد 33 حبة. أما الأهم، فهو في قصة “ثانياً”… وتلك حكاية طويلة متشعبة، ويصعب الإمساك بكلّ جوانبها. والأهم هنا أنّ أحفاد من شرّدتهم آلة القمع والاحتلال، وصراعات الساسة، ووهم التفاوض، والصراع على السلطة، والتنسيق الأمني، والتعلق بأوهام الحلول المجتزأة، والاتفاقات المرحلية، نحّوا هذا كلّه وأعادوا اكتشاف ذاتهم و”اتحدوا” وأعادوا تعريف الجغرافيا الفلسطينية من الماء إلى الماء، وجرّوا “التاريخ” الذي خذلهم منذ مائة عام من ذقنه، ليعترف من جديد أنّ فلسطين عادت كلّها فلسطين، وتلاشت لوهلةٍ، طالت قليلاً، كلّ تلك الخطوط التي حولت البلاد جزراً معزولة، لكلّ منها همومها وسلّم أولوياتها ومشكلاتها، في لحظةٍ تاريخيةٍ صارت غزة والضفة الغربية، وما احتل من الأرض عام 1948، صارت كلّها فلسطين. وكدت تسمعها تهتف بحنجرةٍ واحدة، وخفقة قلب واحد، ولعلّ هذا تحديداً ما ضغط على آلة العدوان أكثر من غيره من الأسباب، لتتوقف عن قذف حمم الموت، حسب ما اعترف أحد كتّابهم صراحة، وتلك حقيقة لا يحبّ أحد منهم ذكرها علناً، وإن كانت من أهم القضايا التي يجرى تداولها على كلّ المستويات السياسية والأمنية، استراتيجياً وتكتيكياً.

في قراءة متأنية، بعدما صمتت قاذفات الموت والنيران، ثمّة حقائق، إضافة إلى ما سلف، يمكن إجمالها في بضع نقاط، قد يبدو أن لا ترابط بينها، لكنّ ثمّة خيطاً رفيعاً يربطها…

أولاً، كما هي العادة، كلُّ ما نشر عن حرب “أسوار القدس” هو نقطة في بحر مما جرى، فخلف الأبواب المغلقة في كلّ العواصم المؤثرة في العالم، وفي عواصم المنطقة العربية تحديداً، جرت أحداثٌ على جانب كبير من الخطورة، كلّها تُجمع على أنّ النار التي اشتعلت كانت ستُصدر لهباً حارقاً إلى غير جهة قريبة وبعيدة عن مصدر النيران، ولا بدّ من إخماد النار بأيّ ثمن، كي لا تشتعل بؤرٌ أخرى، كانت قاب قوسين أو أدنى من الانفجار. وسنقرأ لاحقاً كثيراً عما جرى، مما لا يمكن البوح به اليوم لأسبابٍ كثيرة، أهمها أنّ ما تسرّب سراً ينقصه التأكيد العلني، وقد يأتي يومٌ أو لا يأتي، لنعرف تفاصيله.

ثانياً، خطر المقاومة على النظام العربي الرسمي لا يقلّ عن خطرها على كيان العدو. لهذا ستتركز الجهود في مقبل الأيام على تحجيمها بكلّ السبل، إن لم يكن نزع سلاحها. ولا يعني هذا أنّ هذه الجهود ستنجح، لكنّها ستحاول، بكلّ الطرق، وأهمها إعادة إحياء “مخفر رام الله” الذي هُمّش في المعركة كما لم يهمّش من قبل. من هنا، ربما تكون إزالة هذا “المخفر” أهم من أيّ شيء آخر، فهو عقبة كأداء في طريق أيّ مشروع تحرّر وطني فلسطيني.

ثالثاً، ثمّة كثير مما تغير في دوائر صنع القرار في العالم. صحيحٌ أنّ أحداً من هؤلاء الصنّاع لن يقوم نيابة عن الفلسطينيين بتحريرهم، لكنّه عنصرٌ ضاغطٌ باتجاه إعلان “إسرائيل” دولة أبارتهايد، ومرتكبة جرائم ضد الإنسانية، وهي صورةٌ يجرى ترسيخها اليوم بأسرع مما مضى، ويتعيّن العمل بهذا الاتجاه أكثر، كي تصبح كلفة الاحتلال أكبر من أن تُطاق، وأعظم من مكاسبه.

رابعاً، كانت ساحة “السوشيال ميديا” أكثر سخونةً أحياناً مما جرى في غزة وتل أبيب والقدس. وبدا كم هي بالغة التأثير في إسناد المقاومة. يكفي هنا أن تقرأ ما كتبه البروفسور غابي فايمان، خبير الإعلام والدعاية السياسية وشبكات التواصل الاجتماعي في جامعة “حيفا” و”مركز هرتسليا”: “الفشل الشامل في المعركة الإعلامية أضاع المكاسب والإنجازات العسكرية، الهجمات التي شنّها الناشطون المناهضون لإسرائيل نجحت في حسم المعركة الإعلامية العالمية، وجرفت المشاهير والمؤثرين لصالحهم، التيك توك بدأ بتسلم راية التأثير من فيسبوك وتويتر وإنستغرام… ووجودنا فيه صفري” .

خامساً، يؤكّد حجم الفظاعات التي ارتكبتها الصهيونية في فلسطين أنّ الصهيونية تعيد إنتاج النازية بكامل بشاعتها، سواء لناحية تقنين الفصل العنصري والإبادة العرقية، أو لجهة التطبيق على الأرض. يقول الباحث مصعب بشير: أعمال العنف التي يرتكبها نظام إسرائيل الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني على درجة من الهمجية جعلت البروفيسور الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش يخلص إلى أنّ حضور العقلية النازية في إسرائيل حقيقة يستحيل تجاهلها، وأنّ ثمّة وجوداً لمن سماهم “اليهود النازيين” وعلى الناشطين الفلسطينيين والعرب توظيف هذه الحقيقة في فضح السياسات الصهيونية على نطاق واسع.

أخيراً… نعود إلى ما بدأنا به، لو لم تنتج معركة “أسوار القدس” غير توحيد الجغرافيا الفلسطينية لكفتْها. وهنا تكمن صورة النصر الحقيقية. ولهذا السبب، تشن آلة القمع الصهيونية حملة قمعٍ غير مسبوقة، واعتقالاتٍ محمومةٍ ضد عرب فلسطين الداخل تحديداً، وناشطي الضفة الغربية والقدس، وهي خطوةٌ تحتاج للبناء عليها بكلّ السبل الممكنة. أما كيف؟ فتلك تحتاج وقفة ثانية.

(العربي الجديد)

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Share on telegram

رابط مختصر للمادة:

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *