تحقيق صحفي يفضح الشرطة الفرنسية: تَراخٍ في مواجهة العنصرية وتستر على المتجاوزين

البوصلة – لم يفارق مشهد اعتداء شرطي في أغسطس/آب 2019، مٌخيلة الأربعينية الفرنسية ليلى نعيمي، حتى اليوم، إذ ترتجف بينما تستعيد ذكرى معاناتها بعد أن دفعها الأمني بعنف مهددا إياها برفع شكوى بحقها واتهامها هي بالاعتداء عليه، بسبب تدخلها وطلبها منه التوقف عن تعنيف أحد المتخاصمين الذين قدمت الشرطة لفض الخلاف بينهما في باريس.

وجدت نعيمي نفسها في تلك الليلة رهن الإيقاف والتحقيق، كما تروي لـ”العربي الجديد“، لكن المحكمة برأتها لأنها كانت في حالة دفاع عن النفس، غير أن شعورها بالظلم دفعها للتقدم بشكوى في 16 يوليو/تموز 2020 ضد الشرطي الذي عنفها وخلف كدمات بدت آثارها واضحة على جسدها، مستندة في ملفها الذي قدمته إلى مفتشية الشرطة الفرنسية إلى مقطع مصور وثق الواقعة كاملة، لكن لم يعرض منه على القضاء سوى بضع ثوان “بهدف إخفاء الحقيقة وتبرئة الشرطي”، ما عزز شعورها بعدم الثقة في نيل حقها، “لأن غالبية الشكاوى ضد عناصر الشرطة لا يتم التحقيق فيها، وغالبا ما يتم تبرئتهم من التهم الموجهة إليهم، كما أن المفتشية تتجاهل التحقيق في هذه القضايا وإحالتها إلى القضاء وإن أحيلت لا تتابع”، وفق ما تقوله ليلى.

مخاوف ليلى، تحققت على أرض الواقع، إذ قضى قرار المحكمة الصادر في 3 أغسطس/آب المنصرم، بعدم متابعة الشكوى كما يقول محاميها دافيد كوريال لـ”العربي الجديد”، مكملا: “تم الأمر تحت ذريعة أن الوقائع غير واضحة، والأدلة ليست كافية لإثبات الجريمة”.

ويعبر كوريال عن استيائه من القرار بقوله أن التحقيق لم يأخذ مجراه كما ينبغي، لا سيما أن الشكوى تضمنت أدلة موثقة كان يجب التحقيق فيها، وتنظيم مواجهة بين الطرفين، وعادة ما يستغرق ذلك وقتا يترواح بين 6 اشهر وسنة، ثم يصدر الحكم، مؤكدا أن قضية ليلى تعكس “إنكار العدالة” (مصطلح يعني امتناع القاضي دون مبرر قانوني عن الحكم في دعوى) خاصة أن كل الأدلة متوفرة، وفي حال دين المتهم، يصل الحكم فيها على الشرطي إلى 15عاما، ودفع غرامة قدرها 225 ألف يورو وفق قانون العقوبات الفرنسي.الأرشيف

انتهاكات “شرطة الشرطة”

تزايدت الانتقادات لدور مفتشية الشرطة الفرنسية، أو “شرطة الشرطة” كما تسمى، عقب تفاقم الانتهاكات العنصرية للشرطة، خاصة بعد تظاهرات “السترات الصفراء”. إذ يكشف تقرير المفتشية الأخير الصادر في 2019 أن 1460 دعوى عام 2019 أحيلت إلى القضاء، بينما كانت 1180 في 2018، و1085 في 2017.

وكشف تقرير المفتشية عن إجراء 224 تحقيقا إداريا مع أفراد الشرطة، منها 159 تتعلق بانتهاك أخلاقيات العمل الأمني من قبل العناصر الذين يتعاملون مع الموقوفين بطريقة فظة، ويستخدمون العنف اللفظي والجسدي.

لكن الشكاوى المحالة إلى القضاء يتم إسقاط الدعوى في غالبيتها، وأكبر دليل على ذلك التحقيقات التي فتحت منذ بدء مظاهرات حركة السترات الصفراء، والتي بلغ عددها نحو 200 تحقيق في العاصمة الفرنسية فقط، وأغلقت المفتشية 146 تحقيقا منها، بينما تم الحكم في البقية بإسقاط الدعوى، وفقا للمحامي كوريال، الذي يؤكد أن نسبة كبيرة من القضايا المتعلقة بعنف الشرطة لا تتم متابعتها، وتسجل القضية على أنها عنف من قبل شخص يتولى السلطة العامة.الصورة

انفو فرنسا 1

عدم قيام المفتشية بدورها، يعيده المحلل السياسي والاجتماعي المتخصص في القضايا الأمنية سيباستيان روشيه، إلى غياب استقلالية وحياد المفتشية العامة للشرطة الوطنية في فرنسا.

وتضم المفتشية 285 عضوا، 72% منهم من الشرطة، وتم انتدابهم للعمل في المفتشية، كما أن ميزانيتها تحددها وزارة الداخلية، ويتم تعيين مديرها من قبل المدير العام للشرطة، وهذا ما يؤكد أنها غير مستقلة، وغير محايدة ومن الطبيعي أن تعمل لصالح عناصرالشرطة ومصالحهم. كما يقول روشيه، مرجعا تسجيل أرقام مفزعة على مستوى تفشي عنف الشرطة في فرنسا إلى ضعف الدور الرقابي للمفتشية، كونها في الظاهر مؤسسة مستقلة، وفي الحقيقة تتبع إلى وزارة الداخلية، ولم تخضع لأي إصلاح أو تطوير منذ تأسيسها، كما أن ضعف تأهيل أعوان الأمن من بين المسائل التي أثرت على أداء المفتشية. بحسب توضيحه.الأرشيف

التستر على المخالفين

عام 2013 أطلقت المفتشية خدمة إدارية لتلقي البلاغات ممن يتعرضون لعنف لفظي أو جسدي من قبل الشرطة، ويقول فريدريك فو، المدير العام للشرطة الفرنسية إنه يتم إخضاع تلك البلاغات للتحقيق الإداري داخل المفتشية نفسها، ويتولاه ضباط شرطة، وتصل عقوبات المخالفين إلى الفصل النهائي كما يمكن إحالة التحقيق للقضاء، مشيرا إلى أن المفتشية تلقت العام الحالي 9 آلاف بلاغ، بينما كانت 4792 عام 2019.

لكن المحلل السياسي روشيه يشكك باستجابة المفتشية للبلاغات، مؤكدا على تراخيها في فرض عقوبات رادعة بحق المتجاوزين، مستحضرا حادثة ستيف كاينسو، الذي توفي غرقا بعد سقوطه في نهر اللوار بمدينة نانت في 22 يونيو 2019، عقب مداهمة الشرطة حفلا كان يتواجد فيه، ولم يصدر أي حكم في هذه القضية، واكتفت المفتشية بإصدار بيان تقول فيه إنه لا علاقة مباشرة للشرطة في الحادثة. معتبرا أن ضعف أداء المفتشية وعدم وضوحها وشفافيتها، جعلها تتنصل من المسوؤلية في قضية كاينسو لدرجة أنها لم تقدم أي أدلة، وهو ما يراه تفسيرا لتفوق عدد الشكاوى على المتابعات القضائية.

وتؤكد ذلك البيانات التي أوردها تقرير المفتشية الأخير، إذ لم يتم البت سوى بـ 12 قضية من إجمالي 1460 قضية أحيلت إلى القضاء العام الماضي، بينما أغلق 1448 ملفا.الأرشيف

وترى ليلى الشعيبي، القيادية في حزب فرنسا الأبية، أن غياب الدور الرقابي الذي تضطلع به المفتشية العامة يعد السبب الأساسي في تزايد مستويات عنف الشرطة، إلى جانب تسامح الحكومة وعدم تفاعلها مع الجدل الدائر حول انتهاكات الشرطة خاصة القائمة على أساس تمييزي، مشيرة إلى أن المراقبة والتضييق الأمني على العرب أو الأفارقة الذين يسكنون الأحياء المهمشة مبالغ فيه، متسائلة عن الجدوى من ذلك.

لكن فو رفض نعت الشرطة بالعنصرية، قائلا إن غالبية الفرنسيين راضون عن أدائها، مضيفا أن قاطني المناطق التي تكثر فيها الجريمة وتتطلب تواجدا أمنيا دائما يرون ممارسات الشرطة عنصرية، مؤكدا أن 30 دعوى فقط سجلت العام الماضي، ذات صلة بممارسات عنصرية.

وتؤيده آنا بيرث، ممثلة نقابة شرطة التحالف عن مدينة مانس (تضم شرطة الحدود ومكافحة الإرهاب وقوى حفظ الأمن)، قائلة إن الانتقادات الموجهة إلى الشرطة بأنها عنصرية ومحمية من المفتشية غير منطقية، واصفة المجتمع بأنه “عنصري” كونه لا يقدّر العمل الأمني ومخاطره، إذ يعمل أفراد الشرطة في ظل نقص معدات الحماية، منتقدة إدانة وزير الداخلية للشرطة بقولها “لو التفتت الحكومة إلى احتياجات الشرطة أفضل لها”، لتتساءل عن سبب مطالبة المجتمع والحكومة للشرطة بأن تقف مكتوفة الأيدي أمام عنف المتظاهرين الذين يخرجون للتظاهر، ففي الوقت الذي تدين فيه البلاغات المقدمة 24% من أفراد الشرطة، يتعرض 12 ألفا منهم للإصابة خلال العام الواحد، مؤكدة أن القضاء لا يميز بين شرطي ومواطن عادي، لذلك نجد العشرات من عناصر الشرطة والدرك يمثلون أمام القضاء، ومنهم من هم في السجون.الصورة

انفوغراف 2

استهداف الأفارقة

يعاني كامار مالديني الذي قدم من الكونغو إلى فرنسا عام 2013، منذ 5 سنوات من تدقيق الشرطة في هويته بشكل مستمر، ما سبب له متاعب نفسية، دفعته إلى الفرار من أي مكان تتواجد فيه الشرطة، كما يقول، مشيرا إلى عدم تمكنه من الخلاص من الأمر لكونه يعيش في أحد الأحياء المهمشة ذات الأغلبية الأفريقية، وهو ما تؤيده أسا تراوري، شقيقة أداما تراوري، الشاب ماليّ الأصل الذي توفي في مركز توقيف للشرطة الفرنسية في ضاحية بومون سو واز الشعبية شمالي باريس، قبل 4 سنوات، مشيرة إلى أن شقيقها كان ضحية العنف المسلط على الشبان الأفارقة الذين تعتبرهم الشرطة خطرا داهما، لذلك تخضعهم لمراقبة مستمرة.

وأعادت المظاهرات ضد عنف وعنصرية الشرطة التي خرجت في باريس ومدن أخرى أواخر مايو/أيار الماضي، العديد من الانتهاكات التي ارتكبها رجال الشرطة إلى الواجهة، ومنها قضية الفرنسي سدريك شوفيات، الذي قتل خنقا على يد 3 من عناصر الشرطة في 5 يناير/كانون الثاني عام 2020 وسط باريس، لكن أفراد الشرطة المتهمين في الحادثة أطلق سراحهم، تحت ذريعة أن قتله كان عن طريق الخطأ، وأعلنت المفتشية بعد التحقيق معهم أن عملية الخنق لم تكن واردة في إفادات المتهمين، بحسب رواية عائلة شوفيت لـ”العربي الجديد”.الأرشيف

الهوّة بين الشرطة والمواطنين تتسع

يموت ما بين 10 أشخاص و15 شخصا كل عام بسبب الشرطة. وعادة ما يكون الضحايا من الشبان السود، أو ذوي أصول أفريقية، ويعيشون في أحياء فقيرة، وفق دراسة منظمة تحرك المسيحيين من أجل القضاء على التعذيب الحقوقية.الصورة

المفتشية1

ولا ينفي كريستوف كاريل، الشرطي السابق ورئيس منظمة أغورا (تدافع عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل الأمن) وجود تصرفات عنصرية في صفوف الشرطة الفرنسية، لكنها مشكلة مجتمع بأسره على حد قوله، إذ تتأصل العنصرية، ولا بد من مواجهتها فكريا عبرالمدارس، ويوافقه في ذلك روشيه، قائلا العديد من أفراد الشرطة ينحدرون من الضواحي والبلدات النائية، أي نشأوا في بيئة ذات تركيبة اجتماعية مختلفة، لذلك بعضهم عنصري أو عنيف بسبب نشأته منذ صغره في بيئة عنصرية، ما انعكس على سلوكه في العمل، وتسبب بهوّة كبيرة بين الشرطة والمواطنين.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *