ماذا وراء لقاء منصور عباس بخالد مشعل وإبلاغه رسائل من “جهات إسرائيلية”؟

 إن حديث الأسبوع في المجتمع العربي داخل إسرائيل، وفي مناطق السلطة الفلسطينية، وحتى في قسم من العالم العربي، هو اعتراف النائب منصور عباس بالبث الحي والمباشر بأنه التقى كبير حماس خالد مشعل، ونقل له رسائل من جهات إسرائيلية. لم يكتفِ عباس بهذه الأقوال، وأضاف بأنه لم يسبق له قط أن التقى “مخربين” في سجون إسرائيل، فيما كان يقصد السجناء الأمنيين الفلسطينيين، مما أثار انتقاداً حاداً ضده. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يضطر فيها عباس لأن يعتذر عن اختيار الكلمات غير الموفقة أو لإيضاح أقوال لا تنسجم مع مشاعر مختلفة في المجتمع العربي. فقد التُقط مؤخراً كمن يخدم بأقواله وأفعاله أجندة رئيس الوزراء وأجندة الليكود، مقابل وعود سياسية كهذه أو تلك.

ولكن القصة أكبر من عباس نفسه. رئيس القائمة العربية الموحدة ينتمي للحركة الإسلامية الجنوبية، التي هي إحدى حركات الإخوان المسلمين في العالم العربي. لقد حاولت الحركة الإسلامية، بعد اتفاقات أوسلو، الانخراط في السياسة الإسرائيلية، بل وسجلت حزب (القائمة العربية الموحدة) وذلك بخلاف الخط الأيديولوجي التأسيسي لها. على هذه الخلفية، انقسمت الحركة في 1996 إلى حركتين: الحركة الإسلامية الشمالية برئاسة الشيخ رائد صلاح، التي تقاطع انتخابات الكنيست بل وأخرجت عن القانون؛ وبالمقابل، الحركة الإسلامية الجنوبية التي بعثت بمندوبها إلى الكنيست وطورت علاقات مع محافل رسمية وغير رسمية، دينية وغير دينية، في دولة إسرائيل، انطلاقاً من الرغبة في العمل على الجسر بين القيادة اليهودية وقيادة حركات إسلامية راديكالية مثل حماس والجهاد الإسلامي، والتي يمكن أن يعتبر لقاء كل مواطن آخر معها كـ”اتصال مع عميل أجنبي”.

كثيرون في القيادة العليا للحركة الإسلامية الجنوبية أقاموا ويقيمون علاقات شخصية مع زعماء ومسؤولين دينيين كبار يهود في إسرائيل، بل ويشاركونهم في الإدارة والترويج لجمعيات ومنظمات مختلفة. وبالتوازي، يخوضون أيضاً حواراً متواصلاً مع القيادة الدينية الأعلى في العالم العربي، ولا سيما في مصر والسعودية. ولا شك بأن رسائل كهذه أو تلك تنقل عبرهم من جهات عليا، سياسة، دينية وربما أمنية في إسرائيل.

محافل الأمن في إسرائيل – على الأقل حسب اعتراف عباس – تعرف جيداً كل ما يجري في الحركة الإسلامية الجنوبية، وتعرف الاتصالات التي يجريها مسؤولها مع جهات راديكالية في العالم العربي، ولعل هذا يشرح لماذا يمكن لمسؤولي الحركة أن يتحركوا بحرية – بخلاف رجال الحركة الإسلامية الشمالية، التي تخضع تحركاتهم لرقابة أجهزة الأمن وتثير اتصالاتهم مع جهات مثل حماس انتقاداً حاداً في القيادة السياسية.

إن جدول الأعمال الاجتماعي والديني لـ “الجنوبية” و”الشمالية” يكاد يكون متماثلاً. فكلتاهما موحدتان في فكرهما تجاه النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ومكانة المسجد الأقصى في القدس. ولكن بخلاف الحركة الشمالية، تتميز الحركة الجنوبية بالاستعداد للمشاركة في الحياة السياسية في دولة إسرائيل وإجراء حوار مثمر مع زعماء دين يهود، وإجراء حوار مع المجتمع اليهودي والاتصالات بجهات سياسية بل وأمنية. بمفاهيم عديدة، تكون هذه الحركة تحررت من “المقاطعة” العربية. وبالتالي، فإن انسحابها من المشتركة واستعدادها لتكون السنونو الأول في التعاون السياسي البراغماتي ليس انعطافاً بل تحقيق لرؤيا دخولها إلى الحياة السياسية في أعقاب اتفاق أوسلو. يتبقى الآن أن نتبين إذا كانت الشجرة التي غرستها في 1997 ستعطي ثماراً انتخابية في انتخابات 2021.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *