هجوم غريان.. رسالة حفتر “المشوهة” إلى السبع الكبار

بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة السبع الكبار في فرنسا، وبعد مرور شهرين من خسارتها لمدينة غريان الاستراتيجية، شنت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، هجوما واسعا للسيطرة على هذه المدينة الجبلية، التي كانت في يوم ما مركزا لقيادة عملياتها العسكرية لاقتحام العاصمة الليبية طرابلس.

لكن الهجوم الذي سعى حفتر من خلاله لتحقيق عدة أهداف عسكرية وسياسية، وتوجيه رسائل إلى الداخل والخارج، سقط في الماء، بعد تمكن قوات الوفاق من وقف زحف قواته نحو وسط غريان (100 كلم جنوب طرابلس)، واستعادتها عدة قرى ومناطق خسرتها في بداية الهجوم.

احتراق رسالة حفتر إلى السبع الكبار

هجوم القوات التي يقودها حفتر على غريان في هذا التوقيت بالذات، جاء لإيصال رسالة إلى الزعماء السبعة الكبار في العالم، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه الرجل القوي في ليبيا، وأنه عامل رئيسي في معادلة الحرب والسلام.

حيث شن حفتر، هجومه على غريان صباح الأحد، واستغرق الهجوم يومين، فيما انطلقت قمة السبع الكبار في فرنسا السبت، واختتمت أعمالها الإثنين، وأوصت بتنظيم مؤتمر دولي تحضره “كل الأطراف الليبية المتأثرة من الصراع”.

ورغم حرص حفتر على الظهور بأنه المشرف المباشر على هجوم غريان، إلا أنه هزيمة قواتهفي المعركة بعثت برسائل سلبية إلى قادة مجموعة السبع الكبار، مفادها أنه عاجز عن تحقيق نصر حقيقي على الأرض، رغم الدعم الخارجي، ومساحة الصمت الواسعة والطويلة (نحو 5 أشهر) للمجتمع الدولي إزاء جرائمه بحق المدنيين.

عملية استباقية لإجهاض هجوم محتمل على ترهونة

كما أن الهجوم على غريان، جاء عملية استباقية للتحضيرات التي تقوم بها قوات حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، على مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس)، للقضاء على آخر نقطة ارتكاز تنطلق منها قوات حفتر لشن هجماتها على طرابلس.

حيث شرعت قوات الوفاق، في التحضير للسيطرة على ترهونة، من خلال هجوم واسع على بلدة السبيعة (40 كلم جنوب طرابلس)، في 21 أغسطس/ آب الجاري، لقطع طريق الإمداد الرئيسي لقوات حفتر بين ترهونة، ومحوري مطار طرابلس القديم ومنطقة قصر بن غشير، جنوبي العاصمة.

وأعلنت قوات الوفاق سيطرتها على أجزاء واسعة من السبيعة، فيما أكدت قوات حفتر صدها للهجوم.

كما شكلت قوات الوفاق، قوة مسلحة من أبناء ترهونة، تحت تسمية “قوة حماية ترهونة”، والتي من المنتظر أن تكون رأس حربة في اقتحام المدينة من الداخل، في مواجهة اللواء التاسع ترهونة الموالي لحفتر.

من جهتها، تسعى قوات حفتر لاستعادة غريان، التي خسرتها بشكل سريع ومفاجئ في 26 يونيو/ حزيران الماضي، حتى تعيد فتح جبهات قتال جديدة بالقوس الغربي، الذي انهار مع سقوط أكبر مدينة بالجبل الغربي، وحتى لا تنهار قواتها جنوبي طرابلس، إذا نجحت قوات الوفاق في حصار ترهونة، وقطع خطوط الإمداد منها وإليها.

مهبط مروحيات.. رهان جديد

أحد الأسباب الأخرى التي دفعت قوات حفتر إلى الهجوم على غريان، محاولة السيطرة على مهبط المروحيات والطائرات المسيرة بمنطقة غوط الريح (35 جنوب شرق غريان).

وكان مهبط غوط الريح، عبارة عن مشروع لإنجاز مطار دولي لغريان، لكن قوات حفتر، استخدمته مهبطا للمروحيات ونقل الجنود والمؤن والذخائر، إضافة إلى نقطة انطلاق للطائرات المسيرة لقصف قوات الوفاق في جبهات القتال، وتمكنت قوات الوفاق من استعادته بعد دخولها غريان، نهاية يونيو/ حزيران الماضي.

وخسارة قوات حفتر مهبط غوط الريح، معناه أنه لم يتبق لها سوى قاعدة الوطية الجوية (140 كلم جنوب غرب طرابلس)، والتي قال أسامة الجويلي، قائد المنطقة الغربية لقوات الوفاق، إنها أصبحت “خارج الخدمة”، بعد عدة غارات شنها طيران الوفاق عليها.

فيما يُستبعد استخدام قوات حفتر مهبط الزنتان (170 كلم جنوب غرب طرابلس) في شن غارات على العاصمة (مثلما كان عليه الأمر في 2014)، بسبب الانقسام الحاصل في المدينة، التي ينحدر منها الجويلي، كما أن المهبط الذي تم إعداده على عجل بدعم فرنسي إبان حصار قوات معمر القذافي للزنتان في 2011، أصبح حاليا مطارا داخليا، تستخدمه عدة شركات طيران محلية.

هجوم مكثف وصد كاسح

شنت قوات حفتر هجوما مكثفا، صباح الأحد، من محور في منطقة العربان (35 كلم جنوب شرق غريان) باتجاه منطقة غوط الريح.

استطاع الهجوم في ساعاته الأولى إرباك قوة حماية غريان، خاصة بعد الغارات المكثفة وغير المسبوقة لقوات حفتر المدعومة إماراتيا، التي تقدمت في المناطق الجنوبية خارج مدينة غريان، وسيطرت على غوط الريح والكليبة، وبني وزير، وبوزيان، وجندوبة، حيث انسحبت قوة حماية غريان، التابعة لحكومة الوفاق، تحت كثافة الغارات الجوية، نحو “المغاربة”، حتى تتمكن من التحصن بمنطقة يمكن الصمود فيها إلى حين وصول المدد.

كانت غريان على وشك السقوط مجددا في يد قوات حفتر، التي لم يعد يفصلها عن مشارف المدينة المحصنة طبيعيا سوى بضعة كيلومترات، وسبقت هذه القوات أخبار دعائية لوسائل موالية لحفتر وداعميه، تتحدث عن تقدمها نحو وسط المدينة، وقرب السيطرة عليها بالكامل.

لكن مع وصول طلائع الدعم من المنطقتين الغربية (المجلس العسكري للزنتان) والوسطى (الكتيبة 301 من مدينة مصراتة)، تمكنت قوات الوفاق من تعزيز تمركزاتها في منطقة المغاربة، وتحرير قريتي بني وزير وبوزيان، والتقدم إلى غاية كوبري منطقة جندوبة (جنوب غرب غريان)، بحسب إعلام محلي.

وشاركت طائرات مسيرة تابعة لحكومة الوفاق بفعالية في صد هجوم حفتر، من خلال شنها عدة غارات جوية، استهدفت تجمعين للقوات المهاجمة، ما عجّل بانسحابها إلى بلدة الأصابعة (جنوب غرب غريان)، ومنطقة مزدة (جنوب غريان)، بحسب قوات الوفاق، التي أعلنت اعتقالها قائد غرفة عمليات غريان التابعة لحفتر، فوزي بوحرارة.

كما قام طيران الوفاق بقصف معسكر لقوات حفتر في الأصابعة، وتمكنت قوات “بركان الغضب” التابعة لقوات الوفاق من استعادة المناطق التي خسرتها مع بداية هجوم قوات حفتر.

وتمثل مشاركة طيران الوفاق في صد هجوم غريان الأخير، عودة قوية لسماء المعركة بعد أن خفّ نشاطه منذ الغارات التي شنها على قاعدة الجفرة الجوية، في 26 يوليو/ تموز الماضي، وردت قوات حفتر المدعومة إماراتيا حينها بتكثيف غاراتها الجوية على مطارات مصراتة ومعيتيقة وحتى زوارة، التابعة لحكومة الوفاق.

وتشكل هزيمة حفتر في استعادة عاصمة جبل نفوسة (الجبل الغربي) نكسة جديدة، تعكس حالة انحدار لهجومه على طرابلس، منذ 4 أبريل/ نيسان الماضي، وكما يقال “الحروب الطويلة تؤدي إلى سقوط الأنظمة”، لكنها في حالة حفتر تؤدي إلى انهيار معنويات الجنود، وانقسام قواته وتشظيها فيما بعد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *