صدور ترجمة كتاب “إعادة الاشتباك مع الشرق الأوسط: رؤية جديدة لسياسة الولايات المتحدة”

صدر عن مسار للدراسات الإنسانية النسخة المترجمة لكتاب “إعادة الاشتباك مع الشرق الأوسط: رؤية جديدة لسياسة الولايات المتحدة”، الصادر عن معهد بروكنجز.

وتنبع أهمية هذا الكتاب من عدة اعتبارات؛ أولها أن مؤلفيه هم مجموعة من أكثر الشخصيات خبرة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث عملوا في إدارات أمريكية مختلفة بدءًا من كلنتون وحتى ترامب، وتمرسوا لسنوات عدة في رسم وتنفيذ سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. وترجح بعض الترشيحات الحالية عودة بعضهم ليكون مسؤولا عن السياسة الأمريكية تجاه المنطقة في ظل إدارة جو بايدن.

كما أن محرريه الرئيسيين، دافنا راند وروبرت مللر، عملا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي خلال الفترة من 2009 إلى 2017، وكانا خلال هذه الفترة منخرطين في إعادة تشكيل السياسة الامريكية في الشرق الأوسط، في تلك الفترة المليئة بالثورات والحروب والأزمات الاقتصادية والصراعات الأهلية.

ويضم الكتاب عدة فصول، الأول مقدمة عامة حول إعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة كلها ثم تلى ذلك فصول متنوعة يعني كل منها بمشاكل العلاقات الأمريكية ببلد من البلدان الرئيسية مثل مصر او السعودية أو إيران وغيرها، أو قضية عابرة للبلدان، مثل الاستخدام الأمثل للسلاح وقضايا الاستقرار في المنطقة.

لتحميل الكتاب اضغط هنا

وفيما يلي تلخيص لمقدمة الكتاب وللفصلين الأول والسابع، بحسب ما نشرته وحدة الترجمة في مركز مسار للدراسات الإنسانية:

مقدمة الكتاب

كانت الإدارة الأمريكية في عهد أوباما راغبة في سنواتها الأولى أن تتخفف كثيرا من الانغماس في منطقة الشرق الأوسط، وأن تقلل من انخراطها فيها، بعد أن ثبت أن هذه المنطقة تستنزف الكثير من الجهد والمال الأمريكي، وحتى الأرواح الأمريكية دون جدوى. وكانت هناك مساع للتركيز على مناطق أخرى أكثر جدوى من النواحي الاقتصادية للولايات المتحدة مثل آسيا.

جاء الربيع العربي ليؤكد صعوبة تطبيق سياسة الانسحاب، حيث انخرطت الإدارة الامريكية في دبلوماسية هائة راعت احترام رغبة الشعوب في تحقيق الحرية والديمقراطية، مع الحفاظ على علاقاتها التقليدية في المنطقة. لكن في النهاية تم اتهام إدارة اوباما من قبل حلفائها بأنها ضحت بمصير هؤلاء الحلفاء عندما سمحت لنظام حسني مبارك أن يسقط. وفي 2013 لم تتمكن الولايات المتحدة من وقف الطبيعة غير الديمقراطية لحكم الرئيس مرسي، كما لم تتمكن من إيقاف الانقلاب غير الديمقراطي ضده. ومع رفض الولايات المتحدة الدخول في الصراع في سوريا تعمق القمع وأصبحنا أمام دولة فاشلة.

بعد إنجاز الاتفاق النووي مع إيران في 2015، لاحت فرصة جديدة أمام الولايات المتحدة للنأي بالنفس عن هذه المنطقة المضطربة، وأصبح الخروج المنظم ممكنًا.

جاء ترامب إلى الحكم في 2016 محملا بالرغبة في الابتعاد بقدر الإمكان عن صراعات المنطقة. كما تخلى عن أي دور قيمي أو أخلاقي أو حتى قيادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وركز بدلا من ذلك على المعاملات التجارية التي تجذب لشركات السلاح وشركات الطاقة الأمريكية المليارات. لقد تعامل ترامب مع قادة المنطقة بمنطق التاجر الراغب في جني الأرباح من الصفقات التجارية، لاسيما مع السعودية ودول الخليج.

اتخذ ترامب العديد من القرارات بشأن الشرق الأوسط مدفوعا بالأساس برغبته في إرضاء قاعدته الانتخابية، ومن أهم هذه القرارات الانسحاب من اتفاق إيران النووي، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفرض خطة سلام غير متوازنة على الفلسطينيين، لا تعني سوى استسلامهم، كما طلب من دول الخليج تمويل أي عمليات إعمار في سوريا وفوض السعودية والإمارات في شأن اليمن.

يسعى هذا الكتاب إلى تقديم رؤية بديلة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي سبيل ذلك يقدم نقدًا لنهج الرئيس ترامب في المنطقة. “نحن نكره أساليبه (ترامب) غير المسؤولة – سياسة التغريد، احتضانه الساذج للحكام المستبدين.. – لكن اختلافاتنا الأساسية معه أعمق من ذلك. نحن نشارك ترامب اعتقاده بأن الولايات المتحدة منخرطة أكثر من اللازم في الشرق الأوسط (وهو أيضًا موقف أوباما)، لكننا نختلف عنه ليس فقط بشأن كيفية تقليل مخاطر الولايات المتحدة بالمنطقة، ولكن أيضًا بشأن نوع الشرق الأوسط الذي يخدم الشعب الأمريكي”.

الشرق الأوسط الذي يريده ترامب هو أرض الطغاة الأقوياء الذين يحافظون على عروشهم من خلال القمع الوحشي لشعوبهم، بعيدا عن احترام حقوق الانسان، وفي الوقت نفسه يقومون بشراء السلع باهظة الثمن من الولايات المتحدة.

بينما نعتقد نحن أن شرقًا أوسط أقل عنفًا وتحكمه أنظمة تقبل المساءلة أمام شعوبها هو أفضل من السوق الفوضوي الشرير الذي يتصوره ترامب. نحن نرفض رؤية ترامب الشريرة للشرق الأوسط، لكن ينبغي علينا أن نكون متواضعين وألا نبالغ في قدرة الولايات المتحدة على إحداث التغيير في المنطقة. يجب الا نعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة وضمان احترام القانون وحدها وبشكل سريع.

ويزداد دور الولايات المتحدة صعوبة في ظل عوامل جديدة؛ أهمها الآثار المدمرة التي ستتركها جائحة كورونا على اقتصاديات المنطقة، وكذلك زيادة نشاط الفاعلين من غير الدول وضعف قدرة الحكومات في بعض المناطق، بالإضافة إلى موجات الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة وزيادة حدة اللامساواة.

لكن أيضا الاعتقاد بأن الولايات المتحدة غير قادرة على فعل شيء في المنطقة هو أمر خاطئ تماما.

يقدم هذا الكتاب رؤيته لما يجب أن تكون عليه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، من خلال فصول كتبها أناس من أفضل خبراء السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث عملوا خلال العقد الماضي ضمن إدارات أمريكية وانخرطوا في تقديم النصح والمشورة لرؤسائهم في هذه الإدارات بشأن التعامل مع قضايا المنطقة.

ورغم تباين الرؤى بين هؤلاء الخبراء، إلا أنهم يشتركون في أن الأحداث في منطقة الشرق الأوسط غير قابلة للتنبؤ، وأن الانسحاب الأمريكي السريع منها سيكون خطيرا ومكلفا في الوقت نفسه.

يسعى المؤلفون إلى تقديم ما يرون أنه استراتيجية مسؤولة لإعادة تقييم الموقف الأمريكي في الشرق الأوسط، والحفاظ على النفوذ الأمريكي هناك في بداية جديدة للسياسة الخارجية، في لحظة لم تعد فيها هذه المنطقة المعقدة تحظى بالأولوية الأساسية لدى الولايات المتحدة.

الفصل الأول

بين التراجع والإفراط في الانخراط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

  • المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

رغم أن كثيرا من الرؤساء السابقين والقادة السياسيين الأمريكيين كانوا يشاركون ترامب رغبته في الانسحاب من الشرق الأوسط، إلا أن الوسائل القاسية والفوضوية التي اختار من خلالها القيام بذلك، قد أدت إلى تآكل القيادة والمصالح الأمريكية وإزعاج التحالفات العالمية.

واليوم، وفي حقبة ما بعد ترامب فإن لدى الولايات المتحدة الفرصة، لرسم استراتيجية جديدة للشرق الأوسط، استراتيجية تبدأ بالاتفاق العام حول ما هي المصالح الأمريكية الرئيسية في المنطقة.

لابد أن نلاحظ أن هناك انقسامات في الولايات المتحدة بشأن التعامل مع الشرق الأوسط، فأولا هناك من يرى ضرورة العودة لحقبة الهيمنة الأمريكية على المنطقة كما كانت في عهد الرئيس بوش الابن، بهدف مواجهة نفوذ الصين وروسيا هناك.

ومثل هذه الدعوة تنسى أنه لا يمكن إعادة الهيمنة الأمريكية من جديد بعد الانتفاضات العربية والحرب الأهلية السورية، وكذلك تراجع مكانة القوة الأمريكية عالميا في عهد ترامب. كما أن روسيا والصين لديهما مصالح عابرة في المنطقة، ولا تسعى أي منهما لإزاحة الولايات المتحدة والحلول مكانها، ولا حتى تملكان القدرة على ذلك. أضف إلى ذلك أن الرأي العام الأمريكي والوضع الاقتصادي الحالي، بالإضافة إلى النزعة الانعزالية بين السياسيين من الجمهوريين والديمقراطيين، كل ذلك يحول دون مزيد من الانخراط في الشرق الأوسط.

وثانيا هناك من يرى أن الولايات المتحدة انخرطت أكثر مما يجب في المنطقة، وأن تدخلها كان مردوده ضعيفا للولايات المتحدة نفسها، كما أنه خلق المزيد من الاضطرابات للمنطقة ذاتها، ويدعو أنصار هذا الاتجاه الولايات المتحدة إلى التخلي عن المنطقة والانسحاب منها والبحث عن مناطق أكثر فائدة لها. وفي الحقيقة فإن هذا المنطق أيضا ينسى حقيقة أن المصالح الأمريكية في المنطقة طويلة الأجل ومستمرة ، ومن المرجح أن تستمر على الأقل خلال العقد المقبل.

وفي الحقيقة، فإن صانع السياسة الأمريكية ينبغي أن يجد لنفسه طريقا وسطا بين التخلي عن المنطقة أو الانخراط غير المحدود فيها. يجب أن يناقش صانعو السياسة في الولايات المتحدة شكل وحجم الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ، وليس ما إذا كان يجب أن يكون هناك وجود أم لا.

  • لماذا هذه المصالح: جرعة من التواضع

لقد حددنا مجموعة من الأهداف الأمريكية “المتواضعة” في المنطقة والتي ينبغي العمل على تحقيقها. هذه الأهداف لن تعيد تشكيل المنطقة، لكن لو تم تحقيقها ستجعل سكانها في حال أفضل مما هي عليه الآن. هذه الأهداف هي:

  1. مكافحة الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية: يجب على الولايات المتحدة أن تعمل في آن واحد على محاربة الإرهابيين القادمين من الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته منع مزيد من دول المنطقة من امتلاك أسلحة نووية، وذلك من أجل حفظ أمن وأمان المواطن الأمريكي.
  2. دفع السلام الإسرائيلي الفلسطيني إلى الأمام وحماية أمن إسرائيل: تلتزم الولايات المتحدة على المدى الطويل بأمن إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، وهو التزام أخلاقي أمام الشعب اليهودي، وهذا يتضمن حفظ التفوق الإسرائيلي في المنطقة. لكن أمن إسرائيل يعتمد أيضا على إنهاء الاحتلال والوصول إلى حل متفق عليه للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لن تتمكن الإدارة القادمة من تحقيق تسوية نهائية للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن عليها منع مزيد من التدهور ومنع الطرفين من الخطوات الأحادية التي تمنع السلام على المدى البعيد، مثل توسيع المستوطنات والإرهاب.
  3. وقف تصعيد النزاعات الإقليمية في المنطقة: يعج الشرق الأوسط بالصراعات الدامية التي أدت إلى انعدام الأمن في مناطق عدة، ومكنت الجماعات الإرهابية من المزيد من القوة، وأضعفت النمو الاقتصادي، وخلقت فرصًا لدولة مثل إيران للتدخل. وإذا كانت الولايات المتحدة لن تتمكن من حل كل صراعات المنطقة فإن عليها على الأقل العمل على تخفيفها لأن استمرار النزاع يضر بالمصالح الأمريكية كلها.
  4. تحقيق تحسن ملموس في مجالات الحوكمة واحترام حقوق الانسان والمشاركة السياسية: تعج المنطقة بالقادة المستبدين، وهذا الاستبداد ضار بالمصالح الأمريكية على المدى البعيد، ويولد مزيدًا من الإرهاب. وإذا كان تحقيق الديمقراطية أمرا عسيرا، فليس أقل من أن نعمل على تحقيق تحسن ملموس في مجالات الحريات وحقوق الإنسان وإدماج المواطنين في العملية السياسية.

وفي هذا الصدد، يجب أن يكون القادة الأمريكيون واقعيين في تقدير قدرتهم على التغيير، وأن يكون دورهم هو تهيئة الأجواء للقوى السياسية المحلية للعمل في كل دولة من أجل الديمقراطية. ولعل النموذج التونسي الذي قامت فيه القوى الداخلية بدفع عجلة الديمقرطية بمساعدة أمريكية يعتبر نموذجا يحتذى في المستقبل.

  1. الحفاظ على التدفق الحر للنفط والغاز الطبيعي: رغم أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة للنفط القادم من المنطقة بعد زيادة الانتاج الأمريكي في السنوات الأخيرة، إلا أن التطورات في الشرق الأوسط تؤثر بشكل كبير على أسعار النفط العالمية، وهو ما يجعل هذه المنطقة مهمة للسوق للنفطي في الولايات المتحدة والعالم.
  • مبادئ السياسة الأمريكية في المنطقة

لكي تنجح الولايات المتحدة في تحقيق الأهداف الخمسة السابقة فإن عليها أن تبني استراتيجيتها في المنطقة على أربعة مبادئ.

  1. أن تقاد السياسة الأمريكية في المنطقة بمصالح الولايات المتحدة، وليس مصالح دول أو جهات أخرى: خلال سنوات ترامب، نجحت السعودية والإمارات في فرض مصالحهم وأجنداتهم على السياسة الأمريكية في المنطقة، رغم اختلاف المصالح والقيم بين الجانبين. كما قادت المصالح التجارية الضيقة لأسرة ترامب وشركائه السياسة الأمريكية في المنطقة أيضا.

وفي سبيل تحقيق هذه الهدف، ينبغي أن يتم تحديد المصالح الأمريكية في المنطقة بدقة، وستكون بالتأكيد مختلفة عن مصالح الأطراف الأخرى من حلفاء واشنطن.

  1. تجنب الفصل الخاطئ بين القيم والمصالح الأمريكية: في كثير من الأحيان يشير المسؤولون لهذا التعارض بين المصالح والقيم لتبرير انتهاكات حقوق الانسان في المنطقة. ولاشك أن استمرار مثل هذا النهج يضر بالمصالح الأمريكية. إن احترام حقوق الانسان والحوكمة ومنع الصراعات الإقليمية هي قيم يجب ان تسعى الولايات المتحدة لدعمها تحقيقا لمصالحها وتطبيقا للقيم في الوقت ذاته.

في كثير من الأحيان يتجنب المسؤولون الأمريكيون إثارة القضايا التي تغضب شركاء أمريكا وحلفاءها في المنطقة، والتي تتعلق بشؤونهم الداخلية ومنها انتهاكات حقوق الإنسان، وهذا نهج ينبغي أن يتوقف، فلا بأس من إثارة غضب هؤلاء الحلفاء مع طمأنتهم في الوقت ذاته بأن واشنطن لا تسعى لتغيير النظام في دولهم، كما أنها ملتزمة أيضا بأمن دولهم الخارجي.

  1. تبني مقاربة جديدة للشراكات الأمنية مع الفاعلين الإقليميين: طبق ترامب نهج المعاملات التجارية في السياسة الخارجية، وكان هذا النهج مزعجا للشركاء الأوروبيين ومضعفا للنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الشرق الأوسط، اتباع هذا النهج جعل ترامب يعطي دولا مثل السعودية والإمارات شيكا على بياض، رغم أنها تتبنى قيما مختلفة عن الولايات المتحدة، بل وتتبنى أجندات تتناقض مع المصالح الأمريكية. وقد آن الأوان أن تحدد واشنطن أهدافها بدقة في المنطقة، وتضع شروطا على حلفائها الذي يتلقون منها المساعدات بأن يلتزموا بمساعدتها في تحقيقها، وبالشفافية في استخدام هذه المساعدات.

بدلاً من الدعم الأعمى لأولئك القادة أو الدول المصنفة كأصدقاء، يجب أن نبدأ في تحديد شروط واضحة وتحديد ما نتوقعه منهم مقابل دعمنا. وفي سبيل تحقيق ذلك سنحتاج إلى فرض عقوبات على شركائنا عندما يخيبون آمالنا في هذه التوقعات، وهو أمر كانت الولايات المتحدة تكره القيام به في الشرق الأوسط.

فيما يتعلق بالأصدقاء المفترضين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن الحفاظ على العلاقة معهم كانت هي الهدف في السابق وليست الوسيلة، وفي الفترة المقبلة ينبغي أن تتغير هذه المعادلة بحيث يصبح تحقيق المصالح المتبادلة هو المعيار، ويجب على واشنطن ألا تتردد في التحول عن الشراكة مع أي دولة بالمنطقة إذا كانت هذه الدولة لا تمثل شريكا حقيقيا للولايات المتحدة.

  1. يجب على الولايات المتحدة أن تقيّم وجودها العسكري في المنطقة بشكل أكثر نقدًا، وأن تعمل على استبدال القوة المدنية بدلاً من العسكرية حيثما أمكن. إن الدبلوماسية يجب أن تكون هي الملاذ الأول للتعامل مع الصراعات. فمنذ 11 سبتمبر 2001 وربما قبلها، اعتمدت علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة على الآلة العسكرية بينما اليوم لا يتطلب حفظ المصالح الأمريكية وجودا عسكريا كبيرا.

صحيح أن واشنطن ستحتاج إلى استخدام قوتها العسكرية، أو على الأقل التهديد بها في بعض الحالات لاسيما في الخليج. ومع ذلك يجب ألا تنحصر خيارات الإدارة الأمريكية بين خياري الإبقاء على الوضع الحالي للقوات في المنطقة أو الانسحاب الكلي، لابد أن يكون هناك ترتيبات تحفظ مصالح واشنطن بتكلفة معقولة.

في الجانب الأمني، تقوم الولايات المتحدة ببيع الأسلحة لدول الشرق الأوسط بالمليارات وتطبيق برامج تدريبية كثيرة لكن دون أثر ملموس، ويجب أن تغير واشنطن طريقة التعامل بحيث تتضمن الاتفاقات إصلاحا مؤسسيا لأجهزة الأمن في هذه الدول. تحتاج الولايات المتحدة إلى تجربة نماذج جديدة للتعاون الأمني، تركز على تبادل المعلومات الاستخباراتية وإنفاذ القانون جنبا إلى جنب مع التعامل العسكري وتقديم المعدات.

  • قيود السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط في حقبة ما بعد ترامب:

من المتوقع أن تواجه الإدارة الأمريكية القادمة بعدد من القيود أو العقبات التي تحد من قدرتها على التفاعل مع منطقة الشرق الأوسط. إحدى المشكلات التي ستواجه الإدارة الجديدة في حقبة ما بعد ترامب هي الآثار الاقتصادية التي تركتها جائحة كورونا على اقتصادات المنطقة، لاسيما مع استمرار هبوط أسعار النفط والضعف الشديد الذي واجهته حركة السياحة.

القيد الأول يتمثل في أن المسؤولين الأمريكيين سيكون عليهم التعامل مع الإرث الذي تركته إدارة ترامب في المنطقة وكم الأخطاء التي يجب إصلاحها بقدر الإمكان. سيتعين على مسؤولي السياسة المستقبليين إبطال أكثر قرارات ترامب فظاعة، بما في ذلك تعليق التمويل للفلسطينيين، واحتضان خليفة حفتر في ليبيا، ومنح السعوديين والإماراتيين شيكًا على بياض.

أما القرارات الأخرى، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية هناك، فسيكون من الصعب التراجع عنها سياسيًا. وبدلاً من ذلك، سيتعين على المسؤولين الأمريكيين موازنة هذه القرارات السابقة بإجراءات جديدة لتحييد الكثير من الضرر الذي يلحق بالمصالح الأمريكية جراء هذه القرارات. أما الاتفاق النووي الإيراني فقد يكون ممكنا إنقاذه، لكن ربما تجري تطورات تجعل الاتفاق قد عفا عليه الزمن.

القيد الثاني يتمثل في التغير المستمر للمنطقة، هذا التغير يتم بفعل عوامل داخلية مثل القبلية والطائفية والنمو الهائل لشريحة الشباب والحكم الفاسد، وأيضا عوامل خارجية؛ من أهمها تدخل روسيا وإيران. ويبدو أن الشرق الأوسط يمر حاليا بمرحلة تنازع على السلطة بين المجتمعات والحكام، وهذا قد يستغرق جيلا.

هذا بالإضافة للصراعات الإقليمية، ليس فقط ايران والسعودية، وإنما أيضا بين معسكر قطر – تركيا في مواجهة معسكر السعودية ومصر والإمارات.

ورغم أن الكتاب يتوقع أن تستمر هذه النظم الحاكمة في أزماتها خلال السنوات الثلاث المقبلة، لكنه لا يستبعد أن تؤدي صدمات داخلية أو خارجية إلى تغيير النظام، أو حتى خلق الفوضى في واحدة على الأقل من هذه الدول.

القيد الثالث أن الرأي العام الأمريكي أصبح ضد أي استخدام للقوة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما بعد أن أثبتت حقبة ما بعد 11 سبتمبر أن الكلفة كانت عالية والحصاد كان قليلا. وبالتالي فإن الرئيس القادم سيكون حذرا في استخدام هذه الأداة.

القيد الرابع أن عودة المنافسة الدولية، لاسيما مع روسيا والصين، ستحد من عمل واشنطن في الشرق الأوسط وستجعلها أقل تفرغا وأقل اهتماما بشؤون المنطقة.

القيد الخامس، النظرة المتقلبة والمتشككة في نوايا الولايات المتحدة ووجودها لدى الشعوب. وهذه النظرة ستحد من عمل واشنطن ووجودها في المنطقة، وعلى سبيل المثال فإن نشر قوات أمريكية في بلد من البلدان في ظل هذا التشكك لن يكون مفيدا لهذا البلد، وفي الوقت نفسه سيعرض الجنود الأمريكيين للخطر. ليس هذا فحسب، بل إن قادة دول المنطقة في السنوات الأخيرة أصبحوا متشككين في النوايا الأمريكية، ويتهمونها بمجاملة إيران على حسابهم. هذا الأمر لا يمنع تعاون الولايات المتحدة مع هؤلاء القادة بطبيعة الحال، لكن يجعل الأمر أكثر تعقيدا.

وبناءً على التحليل السابق، من الواضح أن الإدارة القادمة ستواجه بيئة سياسية صعبة للغاية في الشرق الأوسط. ومن المرجح أن تظل المنطقة غارقة في الاضطرابات، مما يترك فرصًا قليلة لتحقيق انتصارات سياسية كبرى فيها. بل لن تكون الإدارة الجديدة في وضع يمكنها من حل العديد من مشاكل المنطقة في السنوات الأربع الأولى، وربما لن تكون قادرة على ذلك حتى في غضون ثماني سنوات.

الفصل السابع

الولايات المتحدة ومصر: تجديد العلاقات بالية

يركز هذه الفصل على أن المكانة التي تمتعت بها مصر في السابق قد تضاءلت إلى حد كبير في الوقت الحالي، لكن في الوقت نفسه لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل مصر في سياستها بالمنطقة.

وفي المقابل، فإن النظم التي يتسع فيها القمع وسوء الإدارة والفساد، لا تتعارض ممارساتها مع القيم الأمريكية فحسب، وإنما تشكل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة.

إن الرئيس الأمريكي الجديد يجب أن يقاوم إغراء إبقاء العلاقات المصرية الأمريكية على ما هي عليه أو تعميقها في ظل النهج الحالي لإدارة السيسي، ولابد أن تكون المساعدات الأمريكية لمصر مشروطة بتحسين سلوك النظام المصري.

إن النهج الجديد المقترح للتعامل مع مصر سيواجه بالعديد من التحديات الموروثة من الإدارات الأمريكية السابقة، وأهمها:

  1. صعوبة إقناع صانعي السياسة الأمريكيين المثقلين بالمشكلات بضرورة تغيير النهج المتبع، لاسيما مع بلد يبدو مستقرا إلى حد ما مقارنة بنقاط أخرى مشتعلة بالمنطقة.
  2. إيجاد طريقة يتم من خلالها تقليص المساعدات الأمريكية لمصر وإعادة تركيزها، مع مراعاة ألا يؤثر ذلك على التعاون الأمني بين البلدين.
  3. كيفية التأثير على نظام أثبت أنه يقاوم الضغط الخارجي.
  • المصالح الأمريكية في مصر

منح المسؤولون الأمريكيون مصر مكانة مركزية في سياستهم في الشرق الأوسط منذ أن تحول السادات إلى المعسكر الغربي وسعى لتحقيق السلام مع إسرائيل، في منتصف السبعينات. ونتيجة لذلك حصلت مصر على ما يقرب من 80 مليار دولار من المساعدات العسكرية والمدنية الأمريكية، وكانت هناك زيارات منتظمة رفيعة المستوى من واشنطن للقاهرة، بالإضافة للدعم الدبلوماسي.

استند الاهتمام الكبير بمصر إلى الاعتقاد بأن التعاون مع مصر يخدم ثلاث مصالح أساسية للأمن القومي الأمريكي. أولها السلام العربي الاسرائيلي، سواء من خلال احترام مصر لمعاهدة السلام، أو التوسط بين إسرائيل ودول عربية أخرى. ثانيا: التعاون في مكافحة الإرهاب، لاسيما أن المواطنين المصريين وعلى مدى عقود كانوا يلعبون دورا بارزا في أي حركات جهادية بالعالم. ثالثا: سماح مصر للأميركيين باستخدام أراضيها ومجالها الجوي لأغراض عسكرية، وتحديداً السماح بحركة السفن البحرية الأمريكية التي تبحر عبر قناة السويس، وكذلك الطائرات العسكرية الأمريكية التي تحلق فوق مصر أثناء عبورها إلى وجهات مثل شرق آسيا وأفغانستان.

في المقابل، سعت الولايات المتحدة لحفظ الاستقرار في مصر لعدة أسباب؛ أهمها أن مصر تضم أكبر عدد سكان في المنطقة، وأكبر قوات مسلحة، وتحتل موقعًا استراتيجيًا، بالإضافة لقناة السويس.

 كما أن عدم الاستقرار في مصر لفترة طويلة يمكن أن يكون له تداعيات أمنية سلبية داخل مصر وخارجها، مثل تدفق الهجرة الجماعية، وانتشار الأسلحة، وتمكين الجماعات المسلحة، ناهيك عن زعزعة الاستقرار في المنطقة.

ورغم أن هذه النظرة التقليدية لمصر ليست خاطئة تمامًا، إلا أنه يمكن القول أن المسؤولين الأمريكيين يبالغون في تقدير أهمية مصر الحالية للولايات المتحدة وإسهامها في خدمة المصالح الأمريكية.

لم تعد مصر اللاعب السياسي العربي المهيمن كما كانت سابقا، فقد تضاءلت قدرتها على تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة، بسبب التغيرات في الاقتصاد العالمي، وتحولات القوة الإقليمية، والمشاكل المحلية التي أبقت انتباه القادة المصريين غالبًا على الداخل خلال العقد الماضي. فخلال العشر سنوات الماضية، تحول النفوذ الإقليمي لصالح دول الخليج الأكثر ثراء، كما تآكل دور مصر التقليدي كوسيط رئيسي مع إسرائيل بعد إقامة هذه الدول علاقات مباشرة -سرية أو علنية- مع إسرائيل، على أساس الرغبة المشتركة في احتواء إيران، بينما مصر لا تشارك دول الخليج في تصوراتها تجاه التهديد الإيراني.

كما أن قناة السويس تراجع دورها نسبيا في حركة التجارة الدولية مع تغير أنماط التجارة العالمية، بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة إذا أنهت “حروبها الأبدية” في غرب آسيا،  فسوف تكون في غنى عن المجال الجوي المصري.

لقد خذلت مصر الولايات المتحدة في عدة مواطن، وأظهرت أنها منكفئة على مشاكلها الخاصة، ولم تشارك بقوة مثلا في حل الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، كما رفضت إشراك الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب في سيناء وعلى الحدود مع ليبيا، ورفضت تحذيرات واشنطن من أن نهج مكافحة الإرهاب الذي تتبعه السلطة المصرية، والقائم على القمع الجماعي والتكتيكات العسكرية العشوائية التي أضرت بالعديد من المدنيين، يأتي بنتائج عكسية.

كما أن القاهرة سعت لتوثيق العلاقات مع خصوم أمريكا مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وعرقلت برامج المساعدات الأمريكية للمواطنين المصريين، لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لـ “الشريك الاستراتيجي” المفترض هو أن مصر تحت حكم السيسي سجنت وأساءت معاملة العديد من المواطنين الأمريكيين لأسباب سياسية.

إن الحقيقة المؤسفة اليوم هي أن نهج النظام المصري في الإدارة السياسية والاقتصادية ربما يزيد من احتمال عدم الاستقرار في مصر أكثر من أي شيء آخر، فقد أدى حكم السيسي القمعي والوحشي إلى تفاقم السخط واسع النطاق، وهو ذاته الذي أشعل انتفاضة 2011 الشعبية ضد حسني مبارك.

فعلى الصعيد الاقتصادي، لا يزال الوضع قاتما أمام المصريين العاديين. حيث أجرى النظام تحسينات لصورة الاقتصاد الكلي إلى حد ما، وهو ما أدى إلى تدهور الظروف المعيشية بشدة لمعظم المصريين، حيث يعيش ما يقرب من ثلث المصريين تحت خط الفقر، و30% من الشباب عاطلون عن العمل. كما قام السيسي بتوسيع دور الجيش بشكل كبير في الاقتصاد، مما أدى إلى زيادة المحسوبية والفساد وإزاحة القطاع الخاص.

وعلى المستوى السياسي، أدى الإنقلاب الذي قاده السيسي إلى سحق تجربة التعددية السياسية التي كانت ناشئة في مصر، كما قام النظام بالاحتجاز الجائر لعشرات الآلاف من المواطنين والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، وإخضاع المؤسسات المدنية للأجهزة الأمنية وإغلاق المجال السياسي والإعلامي المستقل.

هذا العنف والقمع غير المسبوق، الذي تم تنفيذه باسم “أمن مصر” وبدعم من دافعي الضرائب الأمريكيين، لا يسيء فقط إلى القيم الأمريكية، بل قد يؤدي أيضًا إلى تفاقم مشكلة الإرهاب في مصر، والتي تعتبر حاليًا خطيرة ولكن يمكن السيطرة عليها، كما أن استمرار نهج الظلم للمواطنين قد يؤدي لزيادة مناهضي نظام السيسي ومناهضي الولايات المتحدة ولجوئهم لاستخدام العنف. وعلى هذا، فإن استمرار الوضع الحالي دون تصحيح المسار يمكن أن ينجم عنه عدم استقرار خطير في المستقبل.

ورغم أن احتمال حدوث اضطرابات كبيرة، تهز النظام المصري في السنوات القليلة المقبلة، هو احتمال ضعيف، إلا أن هذا السيناريو يجب أن يؤخذ على محمل الجد، ويستدعي الاهتمام والتخطيط لأن تداعياته ستكون خطيرة على مصالح الولايات المتحدة في حال حدوثه.

  • الخلفية السياسية للعلاقات مع مصر

 ظلت المصالح الأمنية الأساسية للولايات المتحدة في مصر ثابتة على مدى عقود، لكن جوانب أخرى من العلاقة تذبذبت، فقد بدأت الإدارات الأمريكية بآمال طموحة تجاه مصر للعب دور إقليمي محوري، لكن مع مرور الوقت، قلت توقعاتها في مواجهة افتقار مصر إلى الاهتمام أو القدرة على فعل ذلك. هناك جانب آخر متقلب وهو درجة الأهمية التي أولتها الولايات المتحدة للنظام ووضع حقوق الإنسان في مصر.

فيما يتعلق بهذا الأمر، كانت هناك مدرستان فكريتان رئيسيتين في الولايات المتحدة، الأولى ترى ضرورة احتضان النظام ودعمه بشكل غير مشروط، وهو ما سيحقق الاستقرار لمصر وللمصالح الأمريكية. بينما ترى المدرسة الأخرى أن الحكم الاستبدادي يشكل خطرًا جسيمًا على استقرار مصر، وعلى المصالح الأمريكية، بالإضافة إلى أنه يتعارض مع القيم الأمريكية. ويدعو هؤلاء إلى ضرورة الضغط على مصر من أجل تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، وأيضا بناء علاقات مع المصريين خارج دوائر النظام.

بدأت سياسة الرئيس باراك أوباما تجاه مصر بنهج العناق الوثيق، ثم انتقلت نحو نهج أكثر صرامة، حيث لعبت التطورات في مصر ذاتها الدور الأهم في تحديد سياسته تجاه مبارك. ففي أول عامين تجنب نقده بشكل مباشر، كما أصلح علاقات البلدين التي توترت في عهد بوش، واختار جامعة القاهرة لإلقاء خطابه الشهير للعالم الإسلامي. وافترضت إدارة أوباما أن مصر في عهد مبارك كانت مستقرة إلى حد كبير في ذلك الوقت في سنة 2010. هذا الافتراض، بالطبع، انقلب رأساً على عقب في يناير 2011، بسبب الاندلاع المفاجئ للاحتجاجات الجماهيرية ضد مبارك ومن أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

نصح وزيرا الخارجية والدفاع أوباما بتوخي الحذر عند التخلي عن شريك أمريكي قديم يواجه تمردًا شعبيًا. لكن سرعان ما انزعج أوباما من رفض مبارك العنيد لتلبية مطالب المحتجين، وشعر بالذهول من استخدامه للعنف لقمع المظاهرات السلمية، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى دعم مظاهرات المصريين الشباب الذين كانوا يتجمعون بشجاعة في ميدان التحرير بالقاهرة.

بينما كانت قبضة مبارك على السلطة تضعف، انحاز أوباما إلى بعض مستشاريه الذي نصحوه بأن الولايات المتحدة يجب أن تكون “في الجانب الصحيح من التاريخ” وتدعم الانفتاح الديمقراطي.

بعد أن أجبر الجيش المصري مبارك على التنحي في فبراير 2011، أعاد أوباما ضبط السياسة الأمريكية، على الأقل من الناحية الخطابية لدعم التحول الديمقراطي، وقبول الخيارات الانتخابية للشعب المصري طالما استمرت أي قيادة مصرية جديدة منتخبة في دعم المصالح الأمنية الأمريكية الأساسية.

كانت الإدارة الأمريكية راغبة في دفع الديمقراطية، وبنت بسرعة علاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، وتواصلت مع الحركات السياسية والمدنية الناشئة. لكن وبسبب العلاقات الأمنية المهمة للولايات المتحدة مع مصر، لم يقم أوباما بممارسة ضغوط كبيرة على من كانوا في السلطة في القاهرة من أجل الديمقراطية سواء خلال حكم المجلس العسكري أو حكم الرئيس مرسي.

 حاول البيت الأبيض إحباط الانقلاب العسكري ضد أول رئيس منتخب ديمقراطياً لمصر، مرسي المنتمي لجماعة الإخوان، لكن أجزاء أخرى من الحكومة الأمريكية لم ترفع شارة الضوء الأحمر بشكل واضح في وجه الانقلاب، وقبلت الإدارة على مضض الإطاحة العسكرية بمرسي في يوليو 2013، خشية أن تؤدي معارضة ذلك بشدة إلى تنفير الجيش المصري والإضرار بالمصالح الأمنية الأمريكية.

هذه المرة، وضعت الحكومة الأمريكية معالم لعودة مصر إلى حكومة مدنية ديمقراطية، لكنها لم تكن راغبة في ممارسة ضغوط حقيقية لدعم هذه الأهداف. ولم تتخذ الإدارة خطوة عقابية إلا بعد أن قتلت قوات الأمن المصرية ما يقرب من ألف من أنصار مرسي ممن تجمعوا في القاهرة في أغسطس 2013، حيث علقت تسليم العديد من أنظمة الأسلحة باهظة الثمن التي تمولها المساعدات الخارجية الأمريكية. هذا التعليق الجزئي للأسلحة، اعتبره الكثيرون في مصر وواشنطن ردا غير كافٍ، وبشكل مؤسف على الانقلاب والقتل.

وبعد الضغوط المصرية وضغوط اسرائيل والإمارات والسعودية، قرر أوباما في النهاية الإفراج عن شحنات الأسلحة المعلقة في مارس 2015، دون أن تفي حكومة السيسي بأي من الشروط التي اشترطتها عليها الولايات المتحدة لتسليم الأسلحة، وأهمها تحقيق تقدم حقيقي باتجاه حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً.

 حافظ أوباما على مسافة بينه وبين السيسي، حيث التقى به مرة واحدة فقط ولم يدعه أبدًا إلى البيت الأبيض، وبعدها لم يعتبر أوباما مصر كأولوية في السياسة الخارجية.

جاء الرئيس ترامب في 2016، وقد أعجب بالسيسي بسبب الصفات ذاتها التي احتقرها أوباما: استبداده ووحشيته وهوسه بالسلطة، واعتبر المسؤولون الأمريكيون أن مصر لازالت تحظى بأهمية خاصة لدى الإدارة الجديدة، وأن القمع الجماعي الذي يمارسه السيسي يمثل سياسة فعالة لمكافحة الإرهاب – أو حتى عند الضرورة للحفاظ على استقرار مصر. كما رأى صهر ترامب جاريد كوشنر، أن الدعم المصري لـ “صفقة القرن” ضروري، بينما ضغط أقرب شركاء ترامب الإقليميين بقوة من أجل دعم الولايات المتحدة القوي للسيسي.

توطدت العلاقات بين السيسي وترامب، لكن على الرغم من الاستقبال الحار للغاية له في البيت الأبيض في 2017، إلا أن إدارة ترامب لم توافق على الفور على جميع الطلبات المصرية، وأهمها تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية وإلغاء التعديلات الفنية التي أجراها أوباما للمساعدات العسكرية.

ورغم ما قدمته إدارة ترامب للسيسي من دعم، وأهمها استقباله في البيت الأبيض قبل الاستفتاء على الدستور، إلا أن هذه الإدارة فشلت إلى حد كبير في تحقيق فوائد للمصالح الأمريكية في مصر.

تميل القاهرة إلى الحصول على تنازلات من الولايات المتحدة دون ثمن. وعلى سبيل المثال، شرع السيسي في التصديق على قانون المنظمات غير الحكومية، بعد اجتماعه في المكتب البيضاوي في 2017، منتهكًا تعهدًا لمساعدي ترامب بإلغاء التشريع. كما لم تدعم مصر بشكل قوي مقترح السلام الإسرائيلي الفلسطيني. وعشية زيارة السيسي للبيت الأبيض عام 2019، انسحبت القاهرة من تحالف ترامب الاستراتيجي للشرق الأوسط (الناتو العربي)، وهي مبادرة أمنية جماعية إقليمية ترعاها الولايات المتحدة ومثلت حجر زاوية لسياسة الإدارة المناهضة لإيران.

شدد السيسي قبضته وصعد من قمعه، منذ أن تولى ترامب منصبه، بما في ذلك اعتقال العديد من المواطنين الأمريكيين، وبدا أنه مسنود بدعم ترامب المفرط وغير المشروط له، وأخذ يضاعف من الأساليب التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في بلاده.

وحتى كتابة هذه السطور، بدا ترامب مصممًا على السير في الاتجاه المعاكس والاقتراب أكثر من السيسي، حتى أنه وصفه بأنه “الديكتاتور المفضل”، على الرغم من الأدلة الواضحة على أن هذا النهج لن ينجح، ومن الأمثلة المأساوية في هذا الصدد وفاة المواطن الأمريكي مصطفى قاسم، الذي سُجن خطأً، في يناير 2020.

  • التحديات

إن الأسئلة المتعلقة بالسياسات التي ستواجه الإدارة المقبلة أساسية واستراتيجية، ويجب أن تركز على ثلاثة أسئلة أساسية أو تحديات.

1 – ما الدور الذي يجب أن تمنحه الولايات المتحدة لمصر في استراتيجيتها الأوسع في الشرق الأوسط؟

لم تتغير وجهة النظر الرسمية للحكومة الأمريكية تجاه مصر كثيرًا على مدار الأربعين عامًا الماضية. ووفقًا لكبار المسؤولين الأمريكيين، تظل مصر “شريكًا رئيسيًا” للولايات المتحدة في العالم العربي. ولكن، كما ذكرنا سابقا، لم تعد مصر القوة الإقليمية المهمة التي اعتمدت عليها واشنطن سابقا، وقد بدأت مصالح كلا البلدين تتباين في جوانب مهمة في السنوات الأخيرة. كما لم تعد مصر قادرة على حشد الدول العربية خلفها كما فعلت سابقا، وهو ما يدعو إلى إيجاد شركاء أكثر قدرة. وإذا أصبحت مصر أقل أهمية بالنسبة لأهداف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فمن الصعب على الحكومة الأمريكية تبرير تزويد مصر بثالث أكبر مساعدات خارجية أمريكية في العالم.

سيحتاج الرئيس الجديد إلى مواجهة حقيقة تراجع مصر وتعديل سياسات الولايات المتحدة لمراعاة هذا الأمر.

2 – ما هي القضايا التي تحتل الأولوية لديها؟

يجب على الولايات المتحدة تحديد القضايا المهمة في علاقتها بمصر، حيث تهيمن المصالح الأمنية والعسكرية الأمريكية تقليديًا على العلاقة بين البلدين. وكان هناك توجه دائم في الولايات المتحدة، بضرورة عزل هذه القضايا عن قضايا حقوق الانسان في مصر والتي تؤدي إثارتها إلى توتير العلاقات بين الطرفين.

هذا النهج منع المسؤولين الأمريكيين من معالجة قضايا حقوق الإنسان والحوكمة مع قادة الجيش والمخابرات رغم أنهم يمتلكون التأثير الأكبر على هذه القضايا. كما أن هذا النهج لا يأخذ في الحسبان الترابط بين حقوق الإنسان وقضايا الأمن، ولا سيما كيف يمكن لانتهاكات حقوق الإنسان أن تغذي التهديدات الأمنية وتساهم في عدم الاستقرار.

ينبغي على الإدارة الجديدة وضع قضايا حقوق الإنسان في قمة الأولويات، باعتبارها ستؤثر على المصالح الأمريكية، وعليها تحمل تبعات الغضب المصري قصير الأمد بسبب إثارة هذه الموضوعات.

إن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة المصرية واسعة جدًا لدرجة يصعب حصرها، لكن على الولايات المتحدة أن تحدد ما هي الانتهاكات التي يجب أن تتصدى لها لأنها الأكثر زعزعة للاستقرار.

3- ما حجم تأثير ونفوذ الولايات المتحدة على مصر؟ وكيف يمكن زيادته؟

تشعر مصر أنها مؤهلة للحصول على دعم أمريكي غير مشروط بسبب السلام مع إسرائيل، شأنها شأن الدول الاستبدادية الأخرى، لكن هذا لا يمنع من القول أن الضغط على مصر باستخدام المساعدات العسكرية في ملفات حقوق الانسان كان فعالا الى حد كبير وجاء بنتائج إيجابية في مرات عديدة، لاسيما بشأن المواطنين الأمريكيين.

لا ينبغي للإدارة الجديدة أن تبالغ في تقدير نفوذ الولايات المتحدة في مصر، ولا ينبغي لها أن تعمل على افتراض أنها لا تملك أي تأثير، فلا تزال العلاقة مع الولايات المتحدة هي الأهم بالنسبة لمصر.

  • عناصر السياسة التي يجب اتباعها

يجب أن تتعامل الإدارة القادمة مع مصر على أنها تحدٍ يجب التعامل معه، وألا تعتبر إبقاء العلاقات معها قيمة في حد ذاتها.

لم تعد مصر شريكًا حيويًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن لدى واشنطن مصالح أمنية هناك، بعض هذه المصالح أصبحت أقل أهمية مما كان عليه في الماضي والبعض الآخر لا يتطلب تدليل النظام لتحقيقه.

إن أهم تهديد للمصالح الأمريكية اليوم في مصر هو عدم الاستقرار الناجم عن الحكم القمعي وسوء الإدارة الاقتصادية.

إن الولايات المتحدة ليست هي من يحدد مسار مصر  في المستقبل، لأن هذا الأمر تحدده العوامل الداخلية المصرية، لكن الولايات المتحدة تظل مؤثرة في ما يحدث هناك. وللأسف في كثير من الأحيان، كانت السياسات الأمريكية داعمة للسياسات القمعية الضارة في مصر. وفي المستقبل، حتى لو لم نتمكن من إنقاذ مصر من نفسها، يجب على الولايات المتحدة أن تقلل من حجم المشكلات التي تخلقها لنفسها، ويجب أن تستخدم التأثير الذي تتمتع به بشكل بناء أكثر.

ونظرا لأن مصر لا تستجيب طواعية للنقد الأجنبي بشأن قضاياها الداخلية، فإن على الولايات المتحدة ألا تربط سياساتها بشكل وثيق جدًا بنظام السيسي الاستبدادي، ويجب على الرئيس الجديد وفريقه أن يخلقوا مسافة واضحة بين الولايات المتحدة ونظام السيسي، الذي لم يعد يتمتع بشعبية كبيرة، كما أن مستقبله ليس مؤكدا.

وبالتأكيد لن تكون الحكومة المصرية مرتاحة لمثل هذه السياسة الجديدة، لكنها في النهاية لن تتمكن من الرد بطريقة تضر بمصالح الولايات المتحدة الأساسية، مثل التعاون في مكافحة الإرهاب، والعبور العسكري الأمريكي في الأجواء المصرية، والسلام مع إسرائيل.

وعلى سبيل المثال، فإن العلاقات المصرية بإسرائيل أصبحت قوية وقائمة في حد ذاتها، ولم تعد تعتمد على الرعاية الأمريكية للسلام بينهما. أما ما يتعلق بمحاربة الجهاديين المصريين الذين يهددون المصالح الأمريكية، فإن السلطات المصرية تتعامل معهم باعتبارهم تهديدا للدولة المصرية، بغض النظر عن علاقتها بالولايات المتحدة. أما مسألة العبور الأمريكي للأجواء المصرية ولقناة السويس، فإن الولايات المتحدة تدفع نظير ذلك أموالا تدخل ضمن الإيرادات المصرية.

ورغم وجود مخاوف من تحول مصر نحو روسيا أو الصين، إلا أن هذه المخاوف مبالغ فيها في ظل اعتماد الجيش المصري شبه الكامل على التسليح الأمريكي.

  • أهم السياسات التي يجب اتباعها أمريكيا لإدارة العلاقة مع مصر
  1. تخفيض المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، مع ترك الباب مفتوحا أمام زيادتها من جديد إذا استجابت الحكومة المصرية للطلبات الأمريكية.

فهناك سببان مقنعان لخفض المساعدات العسكرية لمصر. أولاً: أن هذه المساعدات السنوية البالغة 1.3 مليار دولار ، والتي تمثل ثاني أكبر مساعدات أمريكية في العالم بعد إسرائيل، لم تحقق العائد المرجو منها في ظل تراجع أهمية مصر الأمنية للولايات المتحدة، ويمكن توجيه هذه الأموال إلى أماكن أخرى بالعالم. السبب الثاني أن خفض المساعدات سيرسل رسالة قوية للقاهرة بأن الولايات المتحدة جادة في الضغط بشأن القضايا الحيوية التي تهمها.

  1. استئناف النقد العلني لسجل القاهرة الحقوقي، لأن اتباع النهج الدبلوماسي مع القاهرة في مجالات حقوق الانسان والحوكمة لا يجدي نفعا ما لم يكن مقترنا بنقد علني.

وتشمل هذه القضايا الحفاظ على مساحة للمجتمع المدني المحاصر في مصر، ووقف القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب في السجون المصرية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

  1. يجب على الإدارة الجديدة أيضا أن تحافظ على قناة مفتوحة مع السيسي، لكن تمتنع عن الاجتماعات رفيعة المستوى والمرموقة به خاصة في البيت الأبيض، لأن هذه الاجتماعات تمنحه شرعية يحتاجها بقوة، كما يفسرها النظام على أنها دعم له ولسياساته القمعية.
  2. مضاعفة الجهود لتحويل التعاون العسكري الأمريكي المصري بعيدًا عن التركيز الشديد على نقل المعدات، وباتجاه إضفاء طابع مهني على القوات المصرية وتدريبها على الحرب الحديثة. يجب تدريب الجيش المصري ليكون أكثر احترافية في أداء مهامه لا سيما في مواجهة الجماعات الارهابية.
  3. زيادة الاهتمام الدبلوماسي الأمريكي بالقضايا المشروعة للجانب المصري، ولاسيما معالجة مسألة سد النهضة التي تشكل خطرا حقيقيا على مصر. وهنا لا بد من ذكر أن إدارة ترامب قامت بجهد مشكور في عقد مفاوضات بين مصر والسودان وأثيوبيا. لكن أيضا مصر تحتاج لمساعدات فنية لمعالجة سوء استخدام المياه.
  4. توسيع نطاق التواصل الدبلوماسي الأمريكي ليشمل مجموعة واسعة من الجهات السياسية الفاعلة في مصر، لأنه من الخطأ تقييد علاقات الولايات المتحدة مع النظام المصري وداعميه فقط. إن مصر أكبر وأكثر تعقيدًا من السيسي. و الولايات المتحدة تحتاج إلى إقامة علاقات وتعزيز الثقة مع الفاعلين المصريين الآخرين. يجب أن تتخذ الإدارة المقبلة قرارًا استراتيجيًا لإشراك أكبر عدد ممكن من الفاعلين السياسيين، حتى لو أدى ذلك إلى اغضاب الحكومة المصرية.

ومن هنا يجب على الإدارة الجديدة أن تبحث عن إعادة توجيه المساعدات المدنية لمصر، لجهات تحقق معها التنمية بدلا من الوضع الحالي، الذي تستفيد منه الحكومة المصرية فقط. ويجب على الرئيس الأمريكي الجديد التفكير في منح تأشيرة خاصة لنشطاء المجتمع المدني المصري والمدافعين عن حقوق الإنسان والعلماء والصحفيين والشخصيات السياسية المهددة من قبل السيسي، وهذا هو أحد أفضل الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة.

إن النهج المبين في هذا الفصل لن يكون مرضيًا لأولئك الذين يعتقدون أن مصر شريك حيوي للولايات المتحدة، أو أن الولايات المتحدة يمكنها تغيير البلاد. لكننا نقول إن أفضل ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة في علاقتها مع مصر في ظل الظروف الحالية، هو حماية مصالحها ذات الأولوية القصوى، والتوقف عن بعثرة الأموال يمينا ويسارا والبدء في إرساء الأساس لنفوذ أكبر في المستقبل.

إن تراجع مصر كقوة إقليمية وشريك للولايات المتحدة أمر مؤسف، لكنها تظل تمتلك إمكانات كامنة للتأثير الإقليمي، والازدهار الاقتصادي، ولحوكمة أفضل قد تتمكن من تسخيرها يومًا ما. وإذا حدث هذا وبدأت القاهرة في إظهار علامات على الاستفادة من هذه الإمكانات، يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لمساعدتها في رسم مسار جديد لشعبها وللعلاقات الثنائية.

وإلى أن يأتي هذا اليوم سيكون من الحكمة أن يقبل الرئيس الأمريكي الجديد علاقة محدودة مع مصر في ظل القيادة المصرية الحالية، وأن يقتصر التعاون على الأمور الضرورية جدا.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *