هل يمكن إيقاع عقوبة الإعدام على مرتكبي جريمة “فتى الزرقاء”؟

د. إبراهيم الجرمي: الشريعة غلظت العقوبات على من يروّع الآمنين وحكم الإعدام تقديره للقضاء

د. منذر زيتون: بعض المجرمين لا يمكن ردعهم إلا بالعقوبات المشددة وتنفيذ حكم الإعدام

الحقوقية ليلى عطا: لا يمكن إيقاع عقوبة إعدام دون تكييف القضية ضمن جرائم الإرهاب

المحامي عبدالقادر الخطيب: أحكام الإعدام في الأردن تصدر كـ “ردات فعل” سياسية

عمان – رائد الحساسنة

هزّت جريمة الزرقاء المروعة الشارع الأردني وتحولت لقضية رأي عامٍ وسط مطالباتٍ بإعدام الجناة الذين شكلوا عصابة قامت بخطف شاب وفقء عينيه وقطع يديه في مشهدٍ “متوحش ومقزز” لم نشهده من قبل، فما رأي الشريعة الإسلامية والقانون في مثل هذه الجرائم التي تروّع الآمنين وترعب المجتمع، وما أشد العقوبات التي يمكن إيقاعها على مرتكبيها وهل تصل لحد إعدامهم.

“البوصلة” حاورت عددًا من الخبراء الشرعيين والقانونيين في هذا السياق، وأكدوا أن “عقوبة الإعدام” مردها في نهاية الأمر للقضاء الذي يمكن أن يوقع حكم الإعدام في حال كيفت القضية على أنها “جمعية أشرار” تروع الآمنين وهذا اختصاص محكمة أمن الدولة، فيما توقع الشريعة الإسلامية حكم الإعدام والقتل في مثل هذه القضايا “تعزيرًا” في حال قرر القاضي إيقاع حكمٍ رادع لما تتسبب به الجريمة من خطر وآثار كبيرة على المجتمع.

القصاص أو القتل تعزيرًا لجرائم ترويع الآمنين

قال المستشار الشرعي الدكتور إبراهيم الجرمي في تصريحاتٍ إلى “البوصلة” إن الشريعة الحكيمة عالجت مثل هذه القضايا في عدة مستويات،  موضحًا أنه إذا كان هناك عصابة شكلت لترويع الآمنين تقتل وتسفك وتغتال، فالله تعالى غلّظ عليهم العقوبة.

وتابع الجرمي، إن الله عز وجل يقول في كتابه الحكيم: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)، مستدركًا بالقول: ولكن هذه الأحكام متروكة للقضاء فهو الذي يحدد العقوبة الأعلى أو الأدنى بحسب مقتضيات الحال.

وفيما يتعلق بالجريمة المروعة التي وقعت في الزرقاء أوضح الجرمي أن هناك اعتبارات يُنظر إليها، فهل تم فيها قتل أو إتلاف عضو وما هي تفاصيلها، منوهًا إلى أن مطالبات الرأي العام لإيقاع عقوبة الإعدام أمرٌ متروكٌ للقضاء.

وقال الجرمي: يوجد في شريعتنا الإسلامية أحكام “القصاص”، كما ورد في الآية قوله سبحانه: (وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف)، فالذي قطع يد تقطع يده، ومن فقأ عينًا تفقأ عينه، مشيرًا إلى أن هذا ما يتعلق بالحق الشخصي، فضلاً عن الحق العام الذي يجب أن يكون رادعًا لمن خلفه من الخارجين عن القانون، لا سيما وأن هذه القضايا منضبطة فقهيًا.

ونوه المستشار الشرعي إلى حق الضحية بالتعويض وما يتعلق بما يطلق عليه الفقه الإسلامي “أرش الجنايات” وهو التعويض المالي عن الضرر الذي تعرض له، موضحًا أن “الشاب نسأل الله له الشفاء والعافية بعد أن فقد عينية ويديه، فماذا كان سيكسب بيديه وعينيه، يجب أن يكون هناك تعويضًا ماليًا من باب الديات”.

وتابع حديثه بالقول: إن الفقه الإسلامي يوجب في العين دية كاملة كأنه قتل حقيقة، لأنه أفنى زهرة هذا الشاب، مؤكدًا في الوقت ذاته أن مثل هذه القضايا يجب أن تعالج من كافة جوانبها القانونية والشرعية.  

وحول إمكانية إيقاع حكم القتل تعزيرًا على الجناة، قال الجرمي: يمكن أن توقع الشريعة الإسلامية حكم الإعدام في مثل هذه القضايا في حال قدر القاضي خطورة الحدث والفعل فأراد أن يضع حكما رادعًا، وأوضح: إن الخمر مثلاً فيها عقوبة حد، وفي الحديث الشريف: “من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الثانية فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه”، وهنا القتل يكون تعزيرًا وليس حدًا.

ويؤكد الجرمي في نهاية حديثه لـ “البوصلة” أنه لو طبق هذا الأمر على أفراد من الخارجين على القانون الذين في حقهم مئات الجرائم والقيود، فإن هذا الجاني يقتل تعزيرًا حتى يكون تأديبًا لمن بعده من المجرمين.

العقوبات الرادعة للوقوف في وجه الجريمة

من جانبه أكد أستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية ومستشار وزير التنمية الاجتماعية الأسبق الدكتور منذر زيتون أن بعض الجناة والمجرمين لا يرتدع إلا بالعقوبات المشددة.

وقال زيتون في تصريحاته إلى “البوصلة”: “إن الواقع أثبت أن هناك من لا يرتدع إلا بالعقوبة البالغة، بل إن العقوبة التي ينالها بعض المجرمين تدفعهم لمزيد من الجرائم لأن مثل تلك العقوبة غير رادعة”.

ويؤكد أنه لا يمكن القول بإلغاء عقوبة الإعدام مطلقا، لأن هناك من الجرائم “ما لا يمكن مواجهتها إلا بإعدام فاعلها، لخطورتها وأثرها الكبير على أمن المجتمع وسلامته”، مشيراً إلى أن إلغاء العقوبة “قد يشجع آخرين على اقتراف مثل تلك الجرائم”.

ويشير زيتون إلى أنه قد ثبت دينيا أن الله تعالى قد أباح هذه العقوبة في شريعة الإسلام وفي الشرائع السابقة، بل أوجبها وجوبا، فقال الله تعالى: “وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس”، وهذا الحكم نزل في الشرائع السابقة التي نزلت على موسى وعيسى، عليهما السلام.

لكن زيتون في الوقت ذاته يرى أن مثل هذه العقوبة البالغة الخطورة “لا بد من تقييدها في أضيق نطاق، حتى لا تؤخذ مطية للتخلص من أشخاص لا يستحقونها، خصوصا مع ما نشهده من عقوبات انتقامية يقيمها أصحاب القوة في العالم على الضعفاء”.

جريمة إرهاب وتشكيل جمعية أشرار

 بدورها أكدت المحامية الحقوقية ليلى عطا في تصريحاتٍ إلى “البوصلة” أنه لا يمكن إيقاع عقوبة الإعدام في “قضية فتى الزرقاء” إلا إذا كان تكييف القضية “تشكيل جماعة أشرار لترويع الآمنين”، وهذا أمرٌ من اختصاص  محكمة أمن الدولة.

ونوهت عطا إلى ضرورة عدم إصدار أحكام مسبقة لأن كافة التفاصيل والحيثيات المتعلقة بالقضية ضرورية حتى نستطيع تكييفها، موضحة في الوقت ذاته أنه إذا لم تعتبر الجريمة ضمن قضايا “الإرهاب” فلن ينال منفذوها حكم الإعدام.

وأشارت إلى أن وصف الجريمة المتداول في الإعلام لا يستوجب على منفذي الجريمة “حكم الإعدام” في المحاكم العادية، إلا إذا تمّ تحويلها لمحكمة أمن الدولة.

وأضافت: “إذا أخذت الجريمة وصف الإرهاب وتشكيل جمعيات أشرار التي فيها ترويع للناس يكون لدينا فرصة لإيقاع حكم الإعدام”.

مجرمون طلقاء بلا أحكام رادعة

من جانبه عبر المحامي والحقوقي عبدالقادر الخطيب في تصريحاته إلى “البوصلة” عن أسفه وحزنه الشديدين لبقاء مثل هؤلاء المجرمين طلقاء رغم مئات القيود والجرائم المثبتة بحقهم.

وتساءل الخطيب: كيف يكون مثل هؤلاء المجرمين أحرار طلقاء ولا يتخذ إجراءات رادعة بحقهم، في الوقت الذي يتم التشديد على السياسيين والنقابيين.

وشدد على أنه يفترض أن تكون الدولة أكثر شدة مع “الزعران وأصحاب الأسبقيات”، وأن يتم توقيفهم وفرض الإقامات الجبرية عليهم وعدم تركهم ليعيثوا في الأرض فسادًا.

وأشار إلى أن جزءًا من المشهد البائس الذي وصلنا إليه عززته حالة الفساد والفقر التي تتحمل الدولة مسؤولية تفاقمها.

وأكد الخطيب أن مرتكبي جريمة الزرقاء يجب أن توقع بحقهم عقوبات مشددة لما تم فيها من تشكيل جمعيات أشرار وخطف وترويع للآمنين وهذا يقع ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة، متسائلاً: هل يحوّل من يضع لايك على منشور على فيسبوك لأمن الدولة وهؤلاء لا يحولون؟

ونوه إلى إن القضية إذا أحيلت للمحاكم بالشكل الاعتيادي فإن أقصى عقوبة يمكن أن تصدر بحق المجرمين من 10 إلى 15 سنة سجن.

وأشار الخطيب إلى أن التشريع الإسلامي يوقع على هؤلاء المجرمين حكم القصاص العين بالعين والسنّ بالسن.

وقال إن حكم الإعدام في الأردن مجمّد بسبب ما يتم الحديث عنه من حقوق الإنسان والمساعدات المالية التي تتلقاها الأردن، فيما هناك 180 شخصًا محكوم عليهم بالإعدام بانتظار تنفيذ الحكم عليهم.

وعبّر عن أسفه أن أحكام الإعدام التي تمّت سابقًا كانت مجرد “ردات فعل” على قضايا سياسية، حيث يتم تقديم وجبة من الإعدامات، ثم تسكت الدولة سنوات على القضايا الجنائية البشعة من قتل واغتصاب وغيرها الأمر الذي من شأنه أن يزيد مستوى الجرائم والجرأة على ارتكابها لعدم وجود أحكام رادعة.

وقال: إن تركيز الدولة مع الأسف على قضايا السياسية والإرهاب، وباقي القضايا يتم غض الطرف عنها، متسائلاً كيف يترك شخص عليه مئات القضايا والجرائم ويطلق سراحه ونرى له مقاطع فيديو يصور نفسه  بمواقع التواصل على أنه خريج لجامعة البلطجة والزعرنة دون أن يتم ردعه وإيقافه.

تهيئة المجتمع لعقوبة الإعدام

يؤكد الدكتور منذر زيتون في تصريحاته إلى “البوصلة” أن الشريعة الإسلامية لا توقع حكم الإعدام بهدف الانتقام؛ بل حين تستنفد كل الحلول لإصلاح الفرد، مشددًا على أن العقوبة المشددة لا تقع إلا في جرائم محددة تماما ومقيدة حتى لا تتحول إلى “أداة سياسية” توقع الظلم وتزهق الأرواح وتتنافى مع العدل الذي جاء به ديننا الحنيف.

وشدد زيتون على أن تنفيذ عقوبة الإعدام يتطلب الاحتياط الكامل للتأكد مائة بالمائة من استحقاق الفاعل للعقاب وأن لا يكون العقاب إلا بما يساويه ولا تكون العقوبة أكبر من الفعل.

وأكد أن حياة الإنسان كريمة ومحترمة، لكن من يروع الآمنين ويرهبهم ويتعدى على حقوقهم فالله قضى أنه يستحق القتل.

وشدد زيتون على أنه لا يجوز أن تنفصل عقوبة الإعدام عن أولا تهيئة الناس والمجتمع وتربيتهم وسياستهم على الأشياء التي تبعدهم عن الجرائم التي تستحق الإعدام وغيره.

وأكد أن هذا يمنع أن يصبح الإعدام أداة انتقامية، بل وقاية من العقاب والجريمة عبر مناهج تربوية وتعليمية ودينية وإعلامية وإقرار العدل والمساواة بين الناس واحترام حاجاتهم والإصلاح الذي يحتاجون إليه، لا نستطيع القول بعقوبة الإعدام لأن المعاقب يكون ضحية الاختلال في التوازن المجتمعي والظلم والانتقاص من قيمته الإنسانية وحقوقه.

ويختم بالقول: لا يوجد إنسان يولد مجرمًا لكن هناك مسببات دفعته للإجرام، وعلى الرغم من أنه لا بد أن يطابق القصاص بحقه إلا أن الشريعة الإسلامية تهدف لإعداد المجتمع ليكون بعيدًا عن الجرائم، مشددًا في الوقت ذاته على أن قصر الحديث اليوم عن تطبيق أحكام الشريعة بإيقاع عقوبة الإعدام ظلمٌ للشريعة لا سيما وأنها جاءت لفرض العدل وحماية الفرد والمجتمع قبل ذلك.

أحكام قانونية

من الجدير بالذكر أن المادة (302) من قانون العقوبات تنص على أن “كل من خطف بالتحايل أو الإكراه شخصا وهرب به إلى إحدى الجهات عوقب بالحبس من سنتين إلى 3 سنوات إذا كان المخطوف على الصورة المذكورة ذكرا أكمل الثامنة عشرة من عمره ولا تقل عن سنتين إذا لم يكن قد أكملها”.

كما أن المادة (335) من قانون العقوبات، تنص على أنه “إذا أدى الفعل إلى قطع او استئصال عضو أو بتر أحد الأطراف أو إلى تعطيلها أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة، عوقب الفاعل بالأشغال المؤقتة مدة لا تزيد على عشر سنوات”.

وتنص المادة (157) من قانون العقوبات أنه “إذا أقدم شخصان أو أكثر على تأليف جمعية أو عقدا اتفاقيا بقصد ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال يعاقبون بالأشغال المؤقتة ولا تنقص هذه العقوبة عن 7 سنوات إذا كانت غاية المجرمين الاعتداء على حياة الغير”، فيما نص قانون منع الإرهاب، رقم 55 لسنة 2006 وتعديلاته، على اعتبار “تشكيل عصابة بقصد سلب المارة والتعدي على الأشخاص أو الأموال أو ارتكاب أي عمل آخر من أعمال اللصوصية في حكم الأعمال الإرهابية المحظورة”.

 (البوصلة)

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on print

رابط مختصر للمادة:

اقرأ أيضاً

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on email
Email
Share on print
Print

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *