/
/
الغنوشي باق في “قصر باردو”

الغنوشي باق في “قصر باردو”

على وقع قصيدة أبو القاسم الشابي: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر". هتف برلمانيون مؤيدون له بعد فشل لائحة سحب الثقة منه إذ لم يتمكن معارضوه من حشد عدد الأصوات اللازمة لتمريرها.
116608323_10207423442060996_6933869577260303153_n


علي سعادة


على وقع قصيدة أبو القاسم الشابي: “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”. هتف برلمانيون مؤيدون له بعد فشل لائحة سحب الثقة منه إذ لم يتمكن معارضوه من حشد عدد الأصوات اللازمة لتمريرها.


ورغم محاولات البعض صبغه بصبغة دينية إلا أنه ينحاز أكثر إلى الجانب الفكري والنظري في “الإسلام السياسي” منه إلى الجانب الفقهي والشرعي.


اتقن اللعب بتوازن مع القوى المناوئة، فقاد “الاتجاه الإسلامي” في تونس إلى بر الأمان رغم كثافة الهجمة التي استهدفت إفشال الإسلاميين في تونس بعد أن نجحت الماكينة الإعلامية والمال السياسي العربي في إزاحة الرئيس الراحل محمد مرسي عن السلطة في مصر.
ولم يكن فوز راشد الغنوشي برئاسة البرلمان بـ123 صوتا من أصل 217، بعد دعم حركة “قلب تونس” له، بعيدا عن لعبة التوازنات التي يتقنها الغنوشي شخصيا، فهو منذ البداية تخلى عن منصب رئاسة الجمهورية في “قصر قرطاج” فيما كانت نظرته باتجاه مقر البرلمان في “قصر باردو.”


لقد ساهم الغنوشي بعلاقاته القوية وحواراته المثمرة مع مختلف الأطراف السياسية التونسية في حلحلة العديد من الإشكالات السياسية والفكرية المعقدة التي كادت تربك المرحلة الانتقالية في البلاد، خاصة سنوات 2012 و2013.
ميوله الأولى كانت ناصرية دفعته إلى مصر للدراسة في أوج المد الناصري، لكنه لم يستقر بمصر طويلا نتيجة للصراع الدائر آنذاك في تونس بين الرئيس الحبيب بورقيبة والقيادي في “الحزب الدستوري” صالح بن يوسف، المقرب من القاهرة، الذي قتل فيما بعد في ألمانيا، انتقل على أثرها إلى دمشق، التي حصل منها على شهادة الفلسفة عام 1968.


في 1965، ذهب راشد الغنوشي، المولود عام 1941 بالحامة في ولاية قابس لفلاح متواضع كان حافظا للقرآن، في رحلة إلى أوروبا، وزار تركيا، بلغاريا، يوغسلافيا، النمسا، ألمانيا، وفرنسا.
وستغير هذه الرحلة / التجربة الرجل بشكل كامل فقد شجعته على نقد القومية العربية على أساس “أنها غربية، وليست إسلامية ” ومن هنا ستبدأ تتبلور المعالم الأولى لفكره الإسلامي.

بعد “نكسة” حرب حزيران/ يونيو 1967، اقتنع بضرورة ” تقديم الدعم للخطاب الإسلامي”، وهنا، حسب قوله بدأ “التحول إلى الإسلام”، وبدأ يقترب من جماعة الإخوان المسلمين.
وانتهز الغنوشي، فرصة انتقاله إلى “جامعة السوربون” في فرنسا، ليبدأ نشاطه الإسلامي وسط الطلبة العرب، كما تعرف على تجربة “جماعة التبليغ”، وانخرط فيها للدعوة وسط العمال المغاربة.


مع نهاية عام 1969 عاد إلى وطنه تونس حاملا مشروعا إسلاميا للإصلاح، والتحق بكلية الشريعة في تونس التي حصل منها على شهادة التأهيل للبحث من خلال رسالة حول “القدر عند ابن تيمية”، ثم حال الاضطهاد الذي تعرض له دون مناقشة أطروحته حول “الحريات العامة في الدولة الإسلامية”.
نشط فيما بعد في الدعوة وسط طلاب المعاهد الثانوية وفي المساجد والنوادي الثقافة، وفي هذه المرحلة تشكلت النواة الأولى لـ”الجماعة الإسلامية ” التي عقدت مؤتمرها الأول عام 1979، وانتخب رئيسا لها، ثم تطورت الجماعة إلى “حركة الاتجاه الإسلامي” عام 1981 وطالبت باعتمادها حزبا سياسيا.
قبل ذلك بقليل وفي نهاية عام 1960 قام بورقيبة بتغيير النظام التعليمي بهدف دعم الدراسة الدينية لمواجهة التوجهات الماركسية في الحركات النقابية والجامعية، وسمحت السلطات بتشييد جوامع وبيوت صلاة في الجامعات والمصانع.
وفي سياق المشاركة الاجتماعية والسياسية، قام إسلاميو “الحزب الدستوري الاشتراكي” الحاكم بتقديم عدة مقار لـ”جمعية المحافظة على القرآن” التي أسستها إدارة الأديان، والتحق بها الغنوشي وعبد الفتاح مورو، وهنا بدأ الغنوشي بالتدريس في المدارس الثانوية، الجامعات والمساجد، مع مجموعة من الشباب منهم عبد الفتاح مورو وحبيب المكني وصالح كركر، الذين أسسوا فيما بعد “الجماعة الإسلامية”.
أخذ مثقفو هذه “الجماعة” بالاتصال المباشر مع العامة عبر صحيفة “المعرفة” التي بدأت إصدارها الأول عام 1974، وفي هذه المرحلة أيضا بدأ الغنوشي صدامه مع الرئيس بورقيبة الذي اتهمه بأنه يحاول تركيز العلمانية في تونس بمحاربته الإسلام، وكان الحزب الحاكم في تونس يواجه أوضاعا خارجية وداخلية غير مريحة بعد أن اندلعت الاضطرابات النقابية والعمالية بعد سقوط السياسة الاشتراكية التي كانت يتبعها الحكومة.


واستهدفت ” الحركة” من قبل السلطات التونسية بسبب اتهامها بأعمال “إرهابية” ومنها حرق عدة مراكز تعليمية، وخطف مسؤولين، واستهدفت الحركة أمام المحاكم من قبل القضاء، ووقف الغنوشي عدة مرات أمام المحاكم، وحوكم في أول مرة بإحدى عشرة سنة سجنا قضى منها ثلاث سنوات ما بين عامي 1981 و 1984 بعد خروجه في إطار عفو عام، ولكنه عاد ثانية للاحتجاجات والنشاط السياسي.
وحوكم ثانية بالأشغال الشاقة والسجن المؤبد عام 1987، هذا الحكم لم يكن كافيا بالنسبة للرئيس بورقيبة، حيث قدم طلبا برفع الحكم إلى عقوبة الإعدام، ولم يتم تنفيذ الحكم بسبب انقلاب تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1987 من قبل الرئيس الجديد زين العابدين بن علي، الذي أمر بإطلاق سراح الغنوشي في العام التالي.


وكثيرا ما ندد الغنوشي بالعنف، مؤكدا دائما أن الإسلاميين لن يخترقوا الجيش والشرطة، وفي عام 1988 أعيد تشكيل الحركة في صيغة جديدة “حركة النهضة” في مسعى للتوافق مع قانون يحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني، إلا أنه رفض اعتمادها من قبل السلطات التونسية مرة أخرى.
وبعد ما ظهرت شعبية “الحركة” الواسعة كما أبرزتها انتخابات 1989 التي فازت بها “النهضة” (حركة الاتجاه الإسلامي)، زيفت النتائج على نطاق واسع، مع التصميم على استئصال “النهضة” واعتماد خطة تجفيف ينابيع الإسلام السياسي في تونس، وهو سيناريو كان يتكرر في الجزائر المجاورة التي صادرت نتائج صناديق الاقتراع في الانتخابات البلدية التي جاءت لصالح الإسلاميين.
وما لبث الغنوشي أمام الضغط والتهديد والتضييق أن غادر البلاد بعد تزييف نتائج الانتخابات، وذهب إلى الجزائر ومن ثم إلى السودان، وفي عام 1991 أصبح رئيسا لـ”حركة النهضة ” وأقام منذ عام 1991 في بريطانيا وحصل على حق اللجوء السياسي عام 1993، وحكم عليه غيابيا مرة أخرى بالسجن مدى الحياة، وتكرر نفس السيناريو عام 1998 إذ حكم عليه غيابيا أيضا بنفس الحكم السابق.
أثناء فترة نفيه منعت عدة دول الغنوشي من الدخول إليها مثل الولايات المتحدة، مصر، ولبنان. وفي عام 1995، طرد الغنوشي من إسبانيا أثناء مشاركته في ندوة دولية عقدت في قرطبة حول الإسلام وعلاقته بالحداثة.
بقي الغنوشي في المنفى نحو 21 عاما، عاد بعدها إلى تونس في كانون الثاني/ يناير 2011 بعد الثورة التونسية التي أدت إلى سقوط الرئيس زين العابدين بن علي، وأعلن فور وصوله إلى تونس أنه لن يترشح للرئاسة، وأن أولويته هي إعادة إنشاء “حركة النهضة”.
بقي الغنوشي رئيسا ل”الحركة” بعد الثورة التونسية، وبعد فوز “الحركة” في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي، بقي فاعلا في المجال السياسي الخاص ب”الحركة”.
مرونته واهتمامه بالنتائج جنبت تونس تكرار السيناريو المصري، مؤكدا أن “النهضة” انسحبت من الحكومة وليس من الحكم” باعتبار أنها كانت تملك الكتلة النيابية الأكبر في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان).
واقعيته دفعته إلى تأييد اختيار وزير الصناعة، مهدي جمعة، لرئاسة حكومة كفاءات مستقلة ستقود البلاد حتى إجراء الانتخابات العامة (البرلمانية) على حساب القيادي في حركة “النهضة” على العريض، ونقل عن الغنوشي قوله إن “المسار الحكومي تجاوز مرحلة الخطر”.
الغنوشي عاد بعد تصويت اليوم(الخميس) أقوى من السابق بعد فشل المعارضين لرئاسته للبرلمان التونسي في إسقاطه.

Share on whatsapp
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on email

رابط مختصر للمادة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الأكثر زيارة
  • الأكثر تعليقاً
  • الأحدث